أنا كمان من حقي أعيش. ومن حقي أفرح. ومن حقي أقول لأ. ومن حقي أقول آه. ومن حقي أختار مين يدخل بيتي ومين لأ. لكن أكتر حاجة فرحتني إن الحدود اللي حطيتها ما بعدتش ابني عني. بالعكس. قربته. لأن العلاقة اللي كلها تنازلات من طرف واحد بتتعب. لكن العلاقة اللي فيها احترام بتعيش.
بعد سنة تقريباً من بداية المشكلة، جه عيد ميلادي تاني. المرة دي أنا اللي عملت دعوة. اتصلت بابني. قلت: "تيجوا الجمعة؟" قال: "طبعاً." قلت: "بس مش هعمل عزومة كبيرة." قال: "اعملي اللي تقدري عليه." قلت: "وأمل تساعدني." قال: "هتساعدك غصب عنها." ضحكت. ويومها، البيت كان مليان ضحك. مش زي زمان. زمان كان البيت مليان حركة وأنا الوحيدة اللي بتجري. المرة دي كل واحد كان بيعمل حاجة. ابني بيحط السفرة.
أمل بتحضر السلطة. بنتهم بتلم اللعب. وأنا قاعدة في النص. بتفرج عليهم. أمل قالت: "ماما، مالك ساكتة؟" قلت: "بتفرج." قالت: "على إيه؟" قلت: "على النعمة." سألتني: "إيه النعمة؟" قلت: "إن الواحد ممكن يعدي من مشكلة كبيرة، ويطلع منها وهو خسران حاجات بسيطة بس كسب حاجات أهم." ابني سمعني. قال: "إحنا كسبنا ماما. " قلت: "وأنا كسبت ابني." أمل قالت: "وأنا كسبت أم." ضحكنا. وبعدين بنتهم قالت: "وأنا كسبت تورتة." انفجرنا كلنا في الضحك.
ومن يومها، بقى يوم عيد ميلادي بيتعمل في بيت ابني. مش عشان أنا أروح أطبخ. لكن عشان هما يعملوا. وأنا أقعد. وأول مرة دخلت عندهم في عيد ميلادي بعد اللي حصل، لقيت أمل عاملة الأكل كله. قالت لي: "إنتِ النهارده ضيفة." ضحكت. قلت: "بجد؟" قالت: "آه." قلت: "أهو أنا بقى ضيفة." قالت: "بس ضيفة واحدة بس.
" قلت: "مين؟" قالت: "إنتِ." ضحكت. وقالت: "والباقي يخدم نفسه. " ضحكت لدرجة إن دموعي نزلت. وقلت لها: "أهو كده أنا مطمنة." وفي آخر اليوم، وأنا خارجة من عندهم، ابني وقف عند الباب. قال: "ماما." قلت: "نعم؟" قال: "أنا عايزك تعرفي حاجة." قلت: "إيه؟" قال: "لو في يوم رجعنا نغلط، فكّريني." قلت: "هفكرك." قال: "ولو تعبتي، قولي." قلت: "هقول. " قال: "ولو مش عايزة تعملي حاجة، ما تعمليش.
" قلت: "حاضر." حضنني. وقال: "إنتِ مش مطالبة تثبتي إنك أم كويسة بأنك تتعبي." الكلمة دي هزتني. لأن دي كانت الحقيقة اللي ما كنتش عارفاها طول عمري. كنت فاكرة إن الأم الكويسة هي اللي تستحمل. اللي تسكت. اللي تخدم. اللي تدي. اللي ما تطلبش. اللي تقول "أنا كويسة" حتى وهي مش كويسة. لكن الحقيقة إن الأم الكويسة هي اللي تعرف تحب أولادها من غير ما تلغي نفسها. تعرف تديهم من غير ما تهد نفسها.
وتعرف تقول "لأ" لما الحاجة تكون فوق طاقتها. وأنا دلوقتي عندي أربعة وستين سنة. لسه بتعب. لسه ضهري بيوجعني. لسه في أيام بحس إني مش قادرة أعمل حاجة. بس الفرق إن محدش بقى مستني مني أخبي ده. ولو تعبت، بقول. ولو مش قادرة، بقول. ولو عايزة أقعد، بقعد. والأهم… إن اللي حواليا بقى يسمع. وفي يوم كنت قاعدة لوحدي في الصالة، جرس الباب رن. فتحت. لقيت بنت ابني واقفة قدامي ومعاها وردة صغيرة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.