كنت قاعد في مكتبي، قدامي الظرف الأبيض، وإيدي بتترعش وأنا بفتحه. قرأت النتيجة مرة. وبعدين مرة تانية. احتمال الأبوة: 99.99%. ليلى كانت بنتي فعلًا. بنتي اللي حرمت منها خمس سنين. حطيت الورقة على المكتب، وفضلت أبص من الشباك، والدموع بتنزل من غير ما أحاول أمنعها. بعد شوية، اتصلت بمريم. — النتيجة ظهرت. سكتت لحظة، وبعدها سألت: — طلعت إيه؟ قلت بصوت مخنوق: — ليلى بنتي يا مريم. سمعت شهقة بكاء من الناحية التانية.
— الحمد لله. قلت لها: — ممكن أشوفها النهارده؟ ردت بسرعة: — طبعًا. اتفقنا نتقابل في حديقة هادية في القاهرة، بعيد عن الزحمة. وصلت قبلهم بنص ساعة، واشتريت لليلى عروسة صغيرة، لكن وأنا واقف قدام محل الألعاب، افتكرت الأرنب القديم اللي كانت حضناه في الطيارة. اشتريت لها أرنب جديد، شبهه، لكن بعدين قررت أخلي الهدية معايا لوقت تاني. بعد شوية، شفت مريم جاية من بعيد، وماسكة إيد ليلى. البنت كانت لابسة فستان أصفر، وشعرها مربوط بتوكتين صغيرين.
أول ما شافتني، سابت إيد أمها وجريت ناحيتي. — عمو آدم! نزلت على ركبتي وفتحت دراعاتي. جريت في حضني، ولفت إيديها الصغيرة حوالين رقبتي. في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها سكتت. حضنتها بقوة، لكن بخوف كمان، كأني خايف لو سيبتها ثانية تختفي مني تاني. همست لها: — وحشتيني أوي يا ليلى. رفعت وشها وبصت لي باستغراب. — بس أنا شوفتك من يومين يا عمو!
ضحكت وسط دموعي. — عندك حق يا حبيبتي. بصت ليّ بفضول وسألت: — هو إنتَ عندك بنت زيي؟ بصيت لمريم، لقيتها بتعيط وهي مبتسمة. رجعت بصيت لليلى وقلت: — أيوه يا حبيبتي، عندي بنت جميلة أوي. سألتني ببراءة: — اسمها إيه؟ حطيت إيدي على خدها الصغير، ولمست الغمازة اللي شبه غمازتي. — اسمها ليلى. البنت فضلت ساكتة لحظات، وكأنها بتحاول تفهم.
وبعدين سألت السؤال اللي كنت مستنيه وخايف منه في نفس الوقت: — طب إنتَ بابايا؟ قلبي وجعني. بصيت في عينيها، وقلت بكل صدق: — أيوه يا ليلى، أنا بابا. فضلت باصة ليّ شوية. وبعدين حضنتني تاني، وقالت بصوت صغير: — طب ليه مجتش عندي قبل كده؟ السؤال ده كان أصعب من أي سؤال سألتهولي في حياتي.
ما قدرتش أقول لها إن الكبار أحيانًا بيغلطوا، وإنهم ممكن يخلوا الأطفال يدفعوا تمن أخطائهم. كل اللي قدرت أقوله: — أنا ما كنتش أعرف إنك موجودة يا حبيبتي. ولو كنت أعرف، كنت جيت لك من أول يوم. ليلى بصت ليّ بجدية، وبعدها مسحت دمعة كانت على خدي بإيدها الصغيرة. — خلاص يا بابا، ما تعيطش. أنا أهو معاك دلوقتي. في اللحظة دي، عرفت إن مفيش ثروة في الدنيا تساوي الحضن ده.
الفصل الثامن: هل يرجع الحب بعد خمس سنين؟ الأسابيع اللي بعدها كانت مختلفة تمامًا عن أي فترة عشتها قبل كده. لأول مرة من سنين، بدأت أرجع من الشغل في مواعيد معقولة. ألغيت بعض سفرياتي، وخصصت وقتًا ثابتًا أقضيه مع ليلى. بدأت أتعلم حاجات بسيطة كنت محروم منها. إزاي أعمل لها سندوتشات المدرسة. إزاي أختار لها قصة قبل النوم. إزاي أربط شعرها، رغم إن أول محاولاتي كانت كارثية لدرجة إنها فضلت تضحك عليّ نص ساعة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.