مسحت عيني بسرعة، واكتشفت إن دموعي نزلت فعلًا. أنا، آدم الكيلاني، الراجل اللي عمره ما سمح لحد يشوف ضعفه، كنت قاعد قدام طفلة معرفهاش من عشر دقايق، وبعيط زي طفل صغير. لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، سمعت صوت ست من ورايا. — ليلى! إنتِ بتعملي إيه هنا يا حبيبتي؟ الصوت ده كنت أعرفه كويس.
صوت فضل عايش في ذاكرتي خمس سنين كاملة. لفيت ببطء. كانت مريم واقفة عند طرف الصف، ووشها أول ما شافتني فقد لونه. الموبايل وقع من إيدها على الأرض. فضلت باصة ليّ كأنها شايفة شبح طالع لها من الماضي. همست بصوت متقطع: — آدم؟! قمت من مكاني، وكل الأسئلة اللي فضلت محضرها طول السنين اتزاحمت في دماغي.
لكن سؤال واحد بس قدرت أنطقه: — مريم… البنت دي بنتي؟ وشها اتغير، وبصت لليلى، وبعدها رجعت بصت ليّ. ما ردتش. وسكوتها كان أقسى من أي إجابة. الفصل الثالث: خمس سنين من الأسرار الطيارة بدأت تستعد للهبوط، لكن بالنسبة لي، الرحلة الحقيقية كانت لسه بتبدأ. مريم أخدت ليلى من إيدي، وضمّتها لصدرها كأنها بتحاول تحميها مني.
قالت بصوت منخفض: — مش هنا يا آدم، أرجوك. ضحكت بمرارة. — مش هنا؟! أمال فين يا مريم؟ بعد خمس سنين ألاقي بنت صغيرة بتقولي إن أمها عندها صورة لراجل اسمه آدم، وأكتشف إن الراجل ده أنا، وإنتِ عايزاني أستنى لوقت مناسب؟ مريم بصت حواليها بتوتر، لأن بعض الركاب بدأوا يلاحظوا إن في حاجة غريبة بتحصل. قالت: — أنا مش بهرب منك، بس ليلى مش فاهمة حاجة، ومش عايزاها تسمع كلام يوجعها.
بصيت للبنت اللي كانت واقفة جنب رجلها، ماسكة الأرنب القديم وبتبص لنا بحيرة. فجأة فهمت إن الموضوع أكبر من غضبي. انحنيت لمستواها وابتسمت بصعوبة. — يا ليلى، ماما محتاجة تتكلم مع عمو شوية. إيه رأيك تقعدي جنبها، ولما ننزل أجيب لك شوكولاتة؟ وشها نور. — بالشوكولاتة بالبندق؟ ضحكت رغم كل حاجة. — اللي إنتِ عايزاها. قالت ببراءة: — طب ينفع تيجي معانا؟
عشان أنا بحبك يا عمو آدم. الجملة دي كسرت آخر حاجة كانت متبقية من تماسكِي. بصيت لمريم، فلقيتها بتبعد عينيها عني وبتحاول تمنع دموعها. ولأول مرة من خمس سنين، حسيت إن قلبي مش بس اتوجع بسبب حبي القديم… ده يمكن يكون فيه بنت صغيرة كان المفروض أعيش معاها كل لحظة من عمرها، وأنا معرفش حتى إنها موجودة. بعد ما الطيارة هبطت، استنيت مريم وليلى لحد ما خرجوا من صالة الوصول.
ما حاولتش أمسكها أو أجبرها تتكلم. كل اللي عملته إني قلت لها: — أنا مش هسيبك تمشي المرة دي من غير ما أفهم الحقيقة. لو ليلى بنتي، أنا ليا حق أعرف، وهي ليها حق تعرف أبوها. مريم فضلت ساكتة لحظات، وبعدها قالت: — بكرة الساعة عشرة الصبح. كافيه هادي في سموحة. هحكيلك كل حاجة. وبعدين أخدت بنتها ومشيت. فضلت واقف مكاني، ببص لظهرها وهي بتبعد. كان نفسي أجري وراها، أعاتبها، أسألها ليه عملت فيا كده.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.