مسكت إيديها. — أنا عايزك يا مريم، لكن الأهم عندي إننا نكون صريحين مع بعض، مهما حصل. هزت راسها. — اتفقنا. ليلى كانت واقفة قدامنا، بتبص لنا باستغراب. وبعدين سألت: — هو إنتوا هتتجوزوا؟ ضحكت مريم، وبصت ليّ. قلت لها: — لو ماما وافقت، أيوه يا حبيبتي. ليلى صقفت بفرحة. — طب أنا هلبس فستان أميرة! ضحكنا إحنا الاتنين، ولأول مرة من خمس سنين، حسيت إن الضحكة دي مش مجرد لحظة سعيدة.
دي كانت بداية حياة كاملة. بعد شهور، اتجوزنا في حفل بسيط، حضره أقرب الناس لينا. ما كانش فيه مظاهر فخمة، ولا قاعة ضخمة، ولا ضيوف بالمئات. كان فيه مريم، وليلى، وأنا. وكان فيه وعد بيني وبين نفسي إني عمري ما هسمح لأي حد، مهما كان قريب مني، إنه يقرر مستقبل بنتي بدالي. أما أبويا، فبدأ يصلح علاقته بينا خطوة بخطوة، وبقى يقضي وقتًا مع حفيدته، من غير ما يحاول يفرض رأيه على حياتنا.
أما الشركة، ففضلت تكبر، لكن أنا اتغيرت. بقيت أعرف إمتى أقول لأ للشغل، وإمتى أقفل الموبايل، وإمتى أرجع البيت عشان أسمع ليلى وهي بتحكي لي عن يومها. وفي ليلة، وأنا بحط بنتي في سريرها، سألتني: — بابا، إنتَ كنت فين لما أنا كنت صغيرة؟ بصيت لها وابتسمت بحزن. — كنت بعيد يا حبيبتي، لكن دلوقتي أنا هنا. فكرت شوية، وبعدها مدت إيديها الصغيرة ومسكت صباعي. — طب ما تبعدش تاني.
قبلت جبينها وقلت: — أوعدك إني هفضل أحاول أكون جنبك، وأحبك، وأسمعك، وأكون موجود في حياتك. ابتسمت وغمضت عينيها. فضلت قاعد جنبها شوية، ببص لملامحها اللي كانت شبه ملامحي بشكل يخليني كل يوم أكتشف حاجة جديدة. افتكرت أول مرة شوفتها فيها على الطيارة، وهي حضنة الأرنب القديم، وبتحاول تحط شنطتها في المكان المخصص للشنط. افتكرت عينيها الرمادية، وغمازتها الصغيرة، وسؤالها البريء: «ماما بتقولي إن بابا لسه ميعرفش إن أنا موجودة أصلًا!
» يومها كنت فاكر إن أغلى حاجة في حياتي هي الثروة اللي بنيتها بإيدي. لكن ليلى علمتني إن فيه حاجات ما تتقاسش بالفلوس، وإن النجاح الحقيقي مش إنك تبني أكبر شركة في البلد. النجاح الحقيقي إنك ما تخسرش الناس اللي بيحبوك، وإنك لما تكتشف إنك خسرتهم، تحاول تصلح اللي تقدر عليه قبل ما الوقت يسرق منك فرصة تانية. أنا خسرت خمس سنين من عمر بنتي، وخمس سنين من عمري مع مريم.
ما قدرتش أرجعهم، ولا أقدر أغير الماضي. لكن قدرت أتعلم منه. وعرفت إن الحب مش مجرد كلام، وإن العيلة مش مجرد اسم، وإن أقسى أنواع الفقر مش إن الإنسان ما يكونش عنده فلوس. أقسى أنواع الفقر إنك تمتلك الدنيا كلها، وترجع بيتك في آخر اليوم، وما تلاقيش حد يستناك ويقول لك: «وحشتني يا بابا».
ومن يومها، بقيت كل ما ليلى تجري ناحيتي وتفتح دراعاتها الصغيرة، أسيب كل حاجة في إيدي وأحضنها. لأن فيه لحظات، لو ضاعت منك، مهما كانت ثروتك كبيرة، مش هتقدر تشتريها من جديد. ويمكن أجمل حاجة حصلت لي في حياتي، ما كانتش يوم ما بقيت مليونير… لكنها كانت اليوم اللي اكتشفت فيه إن عندي بنت، وإن لسه عندي فرصة أكون أبوها. تمت بحمد الله ❤️
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.