كنت شايفة عروسة حقيقية، قوية، ضهرها مفرود وراسها مرفوعة، لابسة حب أبوها ورعايته اللي محاوطاها حتى وهو تحت التراب، وجنبها راجل بيحبها ومستعد يهد الدنيا عشان ضحكتها. الساعة بقت 1230 الضهر، صوت الدي جي برة في الجنينة كان بدأ يشتغل بمزيكا هادية، والناس كانت بدأت تملى المكان. نزلت مع رامي من على السلم الداخلي للفيلا.
أول ما رجلي خطت أول درجة، والأنوار اتسلطت علينا، المزيكا سكتت لثانية، وبعدها اشتغلت الزفة البلدي والمزامير والطبول بطريقة هزت أركان الكومباوند كله. المعازيم كلهم وقفوا على رجليهم، الزغاريد طلعت من كل حتة، والعيون كلها كانت مبهورة بالفستان وبالشكل اللي محدش كان يتوقعه بعد الدوشة اللي حصلت الصبح. قرايبي اللي كانوا عارفين باللي مي عملته كانوا واقفين باصين بذهول، مكنوش مستوعبين إزاي الكارثة دي اتقلبت لعز وفخامة بالشكل ده.
وعلى طرف الكوشة، شفت ماما واقفة. كانت واقفة ساكتة، وشها أصفر وشاحب، عينيها ورمت من العياط والحرقة، ماسكة شنطتها بإيدين بتترعش. كانت محتارة بين فرحتها المكسورة بيا، وبين خزيها وعارها من بنتها الصغيرة اللي مرمية في الحبس في نفس اللحظة. قربت منها وأنا ماسكة إيد رامي. ماما بصت لي، وعينيها جت في الفستان، شهقت بصوت مكتوم وحطت إيدها على صدرها نور.
.. ده... ده الفستان اللي رشدي كان بيقول عليه؟ هزيت راسي بابتسامة هادية بس فيها حزم الدنيا كله أيوة يا ماما... ده الفستان اللي بابا الله يرحمه عملهولي من وراكم كلكم، عشان كان عارف إن بنته الكبيرة حقها مش هيضيع، وعشان كان حاسس إن في قلوب مريضة ممكن تستكتر عليا الفرحة. ماما وطت راسها في الأرض ودموعها نزلت من غير صوت حقك عليا يا بنتي...
حقك عليا، أنا اللي دلعتها وأنا اللي سكتت على عمايلها لحد ما اتعمت وبقت شايفة الدنيا كلها ملكها لوحدها. بس... بس يا نور، عشان خاطر ريحة أبوكي، مش هتعفي عنها؟ هتسيبيها تبات في الحجز مع المجـ,ـرمين؟ دي أختك برضه... وقفت قصادها وبصيت في عينيها مباشرة، من غير غضب ولا زعيق، بس بمنتهى الهدوء اللي بيوجع أكتر من الصراخ بابا الله يرحمه يا ماما كان راجل حقاني، وعمره ما نصر الظالم عشان خاطر صلة القرابة.
مي مكنتش بتعمل مقلب يا ماما، مي دلقت مادة كاوية على جسمي، وكانت عايزة تشوهني وتكسر قلبي في أكتر يوم بستناه في حياتي. لو سكت النهاردة، بكرة هتدمر حد تاني وتقولي معلش أختك. خلي القانون يربيها يا ماما، وخليها تقعد مع نفسها وتفهم إن الغل والحقد نهايتهم وحشة، وإن الدنيا مبتمشيش بالطبطبة ع الغلطان على حساب المظـ,ـلوم. ماما ماردتش، معرفتش ترد، نزلت راسها وسكتت، ومسكت طرف شالها ومسحت بيه دموع الندم اللي جه متأخر سنين.
مسكت إيد رامي، ودخلنا وسط المعازيم. الرقص اشتغل، والفرحة ملت المكان بجد، كل صحابي وعيلتي اللي بيحبوني بجد اتلموا حوالينا، نيرة مسبتش إيدي وكانت بترقص وبتزغرط كأنها أختي اللي مخلفتهاش أمي، ورامي مسبش عيني ولا ثانية، كان كل شوية يميل عليا ويهمس لي قمر الكون كله مبيجيش نقطة في جمالك النهاردة. طول الفرح، كنت حاسة براحة نفسية عمري ما حسيت بيها في حياتي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.