.. وقولتلك حقك هيجيلك لحد عندك، بس مكنتش أعرف إنك قوية كده وشطورة وخدتيه بدري بدري. الشباب حطوا الصندوق على الترابيزة وبدأوا يفكوا الشرايط الدهبي، والأنفاس كلها اتكتمت في الأوضة لما الغطا اترفع وظهر اللي جواه. الجزء الثالث والأخير الصندوق الخشب لما اتفتح، حسيت إن الأوضة كلها نورت بنور مختلف، نور هادي فيه هيبة وريحة غالية مألوفة، ريحة الأتيليه بتاع الزمالك نفسه، بخور العود الخفيف المخلّط بريحة قماش الستان والتول الخام النضيف.
الغطا اترفع براحة، وظهر من تحته طبقات من ورق الزبدة الأبيض المنقوش بماية دهب، وبدأوا الشباب بتوع الأتيليه يشيلوا الورق واحدة واحدة بحرص شديد، كأنهم بيكشفوا عن تحفة أثرية خايفين يخدشوها. ولما الورق انزاح تماماً، شهقت... شهقة طويلة حسيت بعدها إن روحي اللي كانت مسحوبة رجعت لي في ثانية واحدة. الفستان كان أوف وايت، بس مش أي أوف وايت...
درجة رايقة جداً ما بين العاجي واللؤلؤ، معمول من قماش حرير ميكادو تقيل وناعم، وطبقات الدانتيل الفرنساوي كانت مطرزة بإيدين محترفة بحبات اللولي الصغير والكريستال اللي بيعكس النور من غير ما يكون فاقع أو مزعج للعين. كان فيه فخامة ملكية متتوصفش، مقفول من عند الرقبة بحزام لولي رفيع، وبأكمام طويلة من الشيفون الحرير المنقوش بنقشات شجر هادية، نازلة لحد كف الإيد وبتنتهي بأزرار لولي متقفلة بحرفنة.
نيرة حطت إيديها الاتنين على خدودها وعينيها وسعت من الذهول يا نهار أبيض... إيه الجمال ده؟! ده أحلى من الأولاني ميت مرة يا نور! ده حكاية لوحده! أنا لساني كان عاجز عن النطق، كنت ببص للفستان وببص لرامي اللي كان واقف ساند ضهره على الحيطة ومكتف إيديه، مبتسم ابتسامته الواثقة اللي بتطمن قلبي دايماً، عينيه كانت بتقول لي مش قولتلك متقلقيش؟
الأستاذة فريدة خطت خطوتين لقدام، ومدت إيدها اللابسة قفاز قطن أبيض، ومسكت طرف الطرحة الطويلة اللي كانت مطبقة بعناية فائقة جنب الفستان، وبصت لي بعينين مليانة تقدير واحترام وقالت الفستان ده مكنش معروض للبيع يا نور، ومكنش معمول لأي عروسة تانية... الفستان ده قصة تانية خالص. بلعت ريقي وسألتها بصوت مهزوز من فرط المفاجأة قصة إيه يا أستاذة فريدة؟
الفستان ده جه منين؟ وأستاذ شريف بعتهولي إزاي وهو عارف إني كنت مستقرة ع التاني؟ فريدة ابتسمت بهدوء، وطلعت من الدوسيه الأسود جواب كارتون صغير لونه بيج، مقفول بشمع أحمر مختوم بختم شريف فهمي الخاص، ومدتهولي اقري الجواب ده الأول... ده مكتوب بخط إيد شريف نفسه، وهو موصيني أسلمهولك في إيدك لو حصل أي ظرف طارئ، وكان متابع خطوة بخطوة من الصبح.
فتحت الجواب وإيديا بتترعش، الورقة كانت تقيلة وملمسها ناعم، والكلام مكتوب بحبر أسود عربي أصيل، خط واضح ومرتب بنتي الغالية نور... لما الحاج رشدي الله يرحمه جالي الأتيليه من أكتر من سنة، وقعد معايا الساعات الطويلة وهو تعبان وبيعافر مع المرض، كان عينيه فيها لمعة أب حاسس إن أيامه معدودة ونفسه يسيب لبنته الكبيرة ذكرى تعيش معاها العمر كله. بعد ما اخترتوا الفستان الأولاني ومشيتوا، الحاج رشدي رجع لي تاني يوم لوحده.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.