.. كنت حاسة إني ولا حاجة جنبك... متخليهمش ياخدوني! قمت من مكاني براحة. الروب الأبيض كان حافف على الأرض، وجسمي كله كان بينبض بالوجع، بس الوجع اللي في قلبي كان أقوى بكتير. وقفت قصادها بالظبط، بيني وبينها خطوة واحدة. فاكرة يا مي؟ اتكلمت بصوت واطي ومبحوح، بس كل اللي في الأوضة سكتوا عشان يسمعوا فاكرة لما بابا كان في المستشفى في آخر أيامه؟
لما دخلتي عليه وقولتي له إنك ساقطة في مادتين في الكلية ومحتاجة فلوس للكورسات، وقام مديكي الفلوس اللي كان شايلها لعلاجه؟ بابا ساعتها قال لك شدي حيلك يا مي، أنا مش عايز أشوفك مكسورة. وأنا اللي كنت سهرانة جنبه بقيس له الضغط وبديله الدوا بالمعلقة. مي نزلت راسها في الأرض ودموعها بدأت تنزل، بس أنا مكنش عندي دمعة واحدة أديها لها.
الفستان ده مكنش مجرد قماش وجبير وتطريز يا مي... الفستان ده كانت آخر ضحكة لبابا وهو بيشوفني. إنتي محققتيش انتقامك مني، إنتي دوستي على آخر حاجة سبتها من ريحته عشان ترضي النقص اللي جواكي. بصيت للظابط، وبعدين بصيت للأستاذة فريدة وقلت بثبات غريب مكنتش أعرف إنه عندي أنا مش هتنازل عن حقي الجنائي، ولا هتنازل عن المحضر. ماما صرخت صرخة مكتومة يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا بنتي!
مي بصت لي بذهول، عينيها وسعت كأنها مش مصدقة إن البنت الطيبة الهادية اللي كانت بتسامح في كل حاجة هي اللي واقفة قدامها دلوقتي. الظابط شاور لأمين الشرطة اتفضلي معانا يا آنسة بهدوء عشان منعملش شوشرة برة، عربية النجدة مستنية تحت، وهنروح على القسم نعمل المحضر ونعرضك على النيابة. مي بدأت تعيط بهستيريا وهي بتتسحب لبرة ماما! متخليهمش ياخدوني! يا رامي! حد يلحقني!
صوت صويتها بدأ يبعد في الطرقة، وماما جريت وراها وهي بتلطم وبتصرخ وبتنادي على قرايبنا اللي تحت يلحقوا الموقف. الأوضة فضيت فجأة، ومفضلش غيري أنا ونيرة، والأستاذة فريدة اللي كانت لسه واقفة بتبص لي بتقدير. قفلت فريدة الدوسيه بتاعها وقربت مني خطوتين، ملامحها الحادة لانت شوية وابتسمت ابتسامة صغيرة دافية برافو عليكي يا نور.
.. التنازل في المواقف دي مبيجبش غير كسر نفس زيادة. بس على فكرة... الموضوع لسه مخلصش. بصيت لها باستغراب وأنا بمسح عرق جبيني مخلصش إزاي يا فندم؟ فريدة شاورت براسها ناحية الباب أستاذ شريف مبعتنيش بس عشان أعمل محضر وأحمي اسم الدار... أستاذ شريف قالي كلمة واحدة الصبح وهو بيمضيني ع التوكيل قالي نور بنت الحاج رشدي، والحاج رشدي راجل أصيل وعمره ما دخل عليا إلا وجايب معاه الخير، وبنته مش هتتكسر في يوم فرحها طالما أنا عايش على وش الدنيا.
وقبل ما ألحق أسألها قصدها إيه، الباب اتفتح تاني على وسعه. دخلوا اتنين شباب من فريق الأتيليه، شايلين صندوق خشب كبير متغطي بستان أبيض ومربوط بشرايط حرير دهبي، ووراهم على طول دخل رامي، لابس بدلته التوكسيدو وعينيه بتلمع، وابتسامته اللي بتهد الدنيا وتطمن الخايف مالية وشه. رامي بص في عيني وقرب مني، مسك إيدي وباسها قدام الكل، وبعدين شاور على الصندوق الخشب وقال بصوت مليان فخر قولتلك مش هنلغي...
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.