أحمد بصلي، وقام فتح الباب بنفسه. كان واقف على الباب رجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان طيبة ووقار.. كان الشيخ عبد التواب، إمام المسجد الكبير في الشارع ورجل ديني معروف بالعدل والحكمة، وجنبه عم حسنين كبير الجيران. أحمد رحب بيهم باحترام شديد: «أهلاً يا شيخنا.. اتفضل يا عم حسنين، خير إن شاء الله؟
» دخل الشيخ عبد التواب وقعد في الصالة، وبص لأحمد وليا بمنتهى الهدوء وقال بنبرة دافية: «يا أحمد يا ابني.. أنا ما جيتش النهاردة عشان أضغط عليك، ولا عشان أفرض عليك حاجة ضد رغبتك. أنا جيت بصفتي رجل دين وعارف أصول ربنا. أمك تحت يا ابني.. بقالها أسبوع ما بتدقش الأكل، قاعدة في شقتها لوحدها مكسورة العين، وتبكي على اللي عملته.
أنا أعدت معاها وسمعت منها، والست اعترفت بغلطها وقالتلي باللفظ: (أنا الشيطان عماني يا شيخنا، وكنت عايزة أفرض كلمتي وأمشي بيتي بعافية، لحد ما خسرت ابني ومراته وبقيت لوحدي كأنني مقطوعة من شجرة).» أنا سكت، وأحمد بصل للأرض ونفسه ثقيل، وقال: «يا شيخنا.. أنا ما قطعتش أمي، وأنا بار بوالدتي وواجبها وطلباتها بتوصلها لحد عندها، لكن بيتي وكرامة مراتي خط أحمر، هي اللي اضطرتني للباب المقفول ده بعد كل الحيل اللي عملتها.
» الشيخ عبد التواب التفت ليا، وبص في عيني بوقار وقال: «وأنتِ يا ندى يا بنتي.. أنتِ ست أصيلة وبنت بنوت، ووقفتك عن حقك وحق ولادك موقف يحترم، والشرع والدين يديكي الحق في إن بيتك يكون له حرمته واستقلاليته. بس الصلح خير يا بنتي.. والمسامح هو الأقوى دايماً. أمك تحت مستعدة تطلع لحد باب شقتك، مش عشان تفرض شروط ولا تتدخل في أكلك وشربك، بس عشان تبوس رأسك قدام ابنها والجيران، وتعتذرلك اعتذار صريح على كل اللي بدر منها، وتتعهد قدام ربنا وقدامنا إن بيتك ده مش هتعتبه إلا بدعوة منكِ، ولا هتتدخل في فتلة من أمور حياتكم تاني.
» الكلمات نزلت على قلبي وريحتني.. أنا ما كانش غرضي الحرب ولا الانتقام، أنا كل اللي كنت عايزاه هو الاحترام، وإن كرامتي وبيتي يتصانوا. بصيت لأحمد، ولقيت في عينيه رجاء خفي، حابب أمه ترجع لربنا وترتاح نفسه، بس في نفس الوقت محترم كلمة مراته وما يستجرئش يضغط عليا. رفعت رأسي وقلت للشيخ عبد التواب وثبات ورزانة: «يا شيخنا.. اللي يجيلنا بالحق والشرع، إحنا تحت رجليه. أنا ما بكرهش حماتي، أنا كنت بكره الاستغلال وكسرة العين.
طالما عرفت حق بيتي، وحق ولادي اتصان، أنا بابي مفتوح للتسامح، بس على أساس واصل: بيتي ملكي، وقوت عيالي لعيالي، وما فيش حيلة ولا تدخل هيتدس بيننا تاني.» ابتسم الشيخ عبد التواب وقال: «الله يفتح عليكِ يا بنت الأصول! ده الكلام اللي يرضي ربنا.» نزلو جابوا حماتي.. طلعت حماتي السلم خطوة بخطوة، مش وهي رافعة رأسها بالغرور والشر، ولا بتمثل بالدموع المزيفة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.