مر أسبوعين بعد قعدة كبار العيلة، والشقة تحت كانت زي المقبرة، مفيش نفس ولا صلة، وحماتي ومروة بقوا يمروا من قدام بابنا كأننا أعداء، يتحاشوا حتى بصة العين. أنا بدأت أحس بإن الحياة أخيرًا سلكت، وبيتي أخد وضعه وهيبته، ولادي وبجوزي بياكلوا لزمتهم بكرامة وراحة بال. بس الهدوء ده كان هدوء ملغوم، حماتي من النوع اللي لو مقتلكيش بالظاهر، يقتلك بالباطن.
في يوم أربع، أحمد خرج شغله بدري، ولادي كانوا في المدرسة، وأنا وقفت في المطبخ بجهز الغدا ورايقة. فجأة، سمعت خبط على الباب، بس مش خبط خناق.. خبط هادي ونادي، زي خبط حد مسكين ومكسور الخاطر. بصيت من العين السحرية، اتفاجئت! كانت حماتي واقفة لوحدها، لابسة عبايتها البيتي، ماسكة طرحتها بإيد وبتمسح بعينها الثانية دموع، شكلها كان دبلان وهزيانة بشكل غريب. فتحت الباب حذرًا، ووقفت على العتبة وقلت بنبرة هادية بس ناشفة: «خير يا ماما؟
في حاجة حصلت؟» حماتي بصلتي بعيون مليانة دموع، وصوتها طلع مخنوق ومكسور، صوت عمري ما سمعته منها: «افتحيلي يا ندى.. ادخل أستريح شوية يا بنتي، أنا تعبانة أوي ورجلي مش شيلاني، وما ليش حد أروحله بعد ربنا إلا إنتِ وأحمد.» قلبي اتلخبط.. أنا أصيلة وطبعي بيغلبني لما بشوف الكبير مكسور أو مريض. رجعت خطوة لورا وقلت: «اتفضلي يا ماما.. سلامتك، في إيه؟
» دخلت حماتي الشقة وهي بتجر رجليها بالعافية، قعدت على الكنبة وأنا جريت جبت لها كوباية ماية بسكر. شربت بؤ صغير، وبعدين مسكت إيدي الاثنين وقالت وهي بتعيط بحرقة: «أنا جاية أستسمحك يا ندى.. أنا بقالي أسبوعين مش بنام الليل من كسفة نفسي قدام الحاج حسان ورجالة العيلة. أنا عارفة إني ظلمتك، والشيطان كان راكبني عشان أراضي مروة على حسابك..
بس والله يا بنتي أنا كبرت ورجلي والقبر، ومش عايزة أقابل ربنا وأنا ظالماكي أو قاطعة ابني. سامحيني يا ندى، إنتِ بنت أصول وسامحيني عشان خاطر أحمد والولاد.» الدموع جم في عيني، وطيبتي القديمة بدأت تتكلم جوايا. قلتلها وأنا بالطبطب على إيدها: «خلاص يا ماما.. اللي فات مات، وأنا ما بشيلش في قلبي، المهم إن بيتي يفضل في حاله ونعيش في سلام.» حماتي مسحت دموعها وابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت: «ربنا يريح قلبك يا بنتي.
. قوليلي بقى، إنتِ بتطبخي إيه النهاردة؟ الريحة طالعة حكاية من على السلم.» رديت بحسن نية وصفاء نية تام: «أنا أهو بعمل صينية بطاطس بالفراخ ورز بشعرية لولادي ولأحمد عشان يرجع يتقوت.» حماتي قامت وقفت وقالت بحماس غريب: «طب هاتي.. هاتي أما أقف معاكي في المطبخ وأظبطلك التتبيلة بالثوم والليمون زي ما كنت بعملها لأحمد وهو صغير، وعشان نفتح صفحة جديدة ونأكل سوا كلنا النهاردة!
» فرحت في سري، قلت الحمد لله.. ربنا هداها والمشاكل انتهت. دخلت معايا المطبخ، بدأت تخرط معايا الثوم وتتبل الفراخ وأنا بقلب الرز على النار. وفي نص شغلنا، حماتي حطت إيدها على بطنها وقالت بوجع: «آه يا بطني.. ندى يا بنتي، معلش انزليلي من أقراب صيدلية هاتيلي الفوار الأخضر ده عشان قيلوني شايط عليا ومغصوت مش قادرة أقف!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.