تجمّدت يومها من . لأنها كانت أول مرة أراه يعترف، ولو بطريقة غير مباشرة، أن ما فعله لم يكن مجرد تصرف أب خائف بل خطيئة تطارد الجميع. أما هي فبدأت تتعافى تدريجيًا. ليس من الماضي بل من كرهها لنفسها. بدأت تخرج أكثر. تزور أمي أحيانًا. وتساعد بعض العائلات الفقيرة بسرية تامة. وفي كل مرة كانت ترى طفلًا مريضًا كنت ألاحظ ذلك الوجع القديم يمر داخل عينيها للحظة.
ولأول مرة منذ عرفتها رأيتها تضحك دون خوف. ضحكة حقيقية ليست معتذرة. أما أنا فاكتشفت أنني لم أعد أبحث عن . لأن لن يعيد أخي. ولن يغيّر شيئًا مما حدث. وأدركت متأخرًا أن الكراهية الطويلة تشبه حمل حجر ثقيل داخل الصدـ,,ـــر لسنوات دون أن أبدًا. وفي النهاية لم نبقَ معًا لأننا نسينا ما حدث. ولم نبقَ معًا لأن الماضي اختفى فجأة وكأن شيئًا لم يكن.
بل لأننا، بعد كل ذلك الألم، أصبح كل واحدٍ منا يرى الآخر بوضوح لا يمكن الهروب منه. هي لم تعد بالنسبة لي ابنة الرجل الذي عائلتي. وأنا لم أعد بالنسبة لها أخو الطفل الذي بسببها. صرنا شخصين يحمل كلٌّ منهما بقايا قديمة ويحاول فقط أن يتنفس بعدها. لم تتحول إلى قصة حب مثالية كما يحدث في الحكايات. حتى بعد سنوات كانت هناك لحظات صمت طويلة بيننا.
لحظات يعود فيها الماضي فجأة دون إنذار. أحيانًا كنت أستيقظ ليلًا وأتذكر أخي فأبتعد عنها دون أن أشعر. وأحيانًا كانت تنظر إلى والدها بصمت بعد ثم تبكي وحدها لأنها لا تعرف كيف تحبه وتغفر له في الوقت نفسه. لكن رغم كل شيء كان هناك شيء حقيقي ينمو بيننا بهدوء. شيء يشبه الرحمة. الرحمة التي تأتي بعد التعب الطويل بعد أن يكتشف الإنسان أن الكره المستمر صاحبه أكثر مما الآخرين.
ومع مرور الوقت بدأت تتغيّر فعلًا. لم تعد تختبئ داخل العباءات الواسعة طوال الوقت. ولم تعد تخاف من نظرات الناس كما كانت. بدأت تخرج أحيانًا مع أمي إلى السوق. تساعدها في البيت. وتضحك معها على أشياء بسيطة جدًا، وكأنها تحاول تعويض عمر كامل ضاع منها وهي خائفة. حتى أمي التي ظننت يومًا أنها لن تستطيع النظر إليها بدأت تراها بطريقة مختلفة. كانت تقول لي أحيانًا البنت متعبة يا ابني الدنيا أكلتها وهي حيّة.
أما والدها فبعد أصبح أهدأ بكثير. لم يعد ذلك الرجل الذي يفرض سيطرته على الجميع بصوته ونفوذه. صار يبدو كرجل عجوز يحمل ذنبًا أكبر منه. وأظن أنه فهم أخيرًا أن المال يستطيع شراء الصمت أحيانًا لكنه لا يستطيع شراء راحة الإنسان من نفسه. لم يعترف بما فعله أمام الناس. ولم تحدث فضائح كبيرة. لأن كهذه كانت الجميع دون أن تعيد طفلًا منذ سنوات. فبقيت الحقيقة محصورة بيننا ثقيلة ومؤلمة لكنها حقيقية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.