تزوجت بنت رجل غنى

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

أخي. أمي. صورة أخي الصغيرة وهو يركض خلفي في الحارة بضحكته العالية. السنوات التي عشناها في الفقر. ونظراتها المرتعبة. وذلك الرجل الذي أحبّ ابنته لدرجة بها حياة غيره. شعرت فجأة أن الغرفة أصبحت أضيق من أن أتنفس داخلها. وقفت دون أن أقول شيئًا. رفعت رأسها نحوي بسرعة، وكأنها فهمت ما سأفعله. وقالت بصوت مكسور أنا آسفة لكنني لم أعرف كيف أرد.

لأنني في تلك اللحظة لم أكن قادرًا على كرهها بالكامل. ولا قادرًا على مسامحتها. أخذت معطفي وغادرت الفندق. وخلفي بقي صوت بكائها يلاحقني حتى باب المصعد. عدتُ تلك الليلة إلى بيت أمي. أما هي فعادت صباح اليوم التالي إلى بيت والدها. ومنذ تلك اللحظة بدأ كل شيء بيننا يتغيّر. مرّت الأيام بعد ليلة الزفاف ببطء ثقيل، وكأن الوقت نفسه أصبح مترددًا في التحرك.

لا أنا استطعتُ أن أتعامل معها كزوجة طبيعيّة ولا هي استطاعت أن تنظر إليّ دون ذلك الخوف القديم داخل عينيها. وفي كل ليلة كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها لكن صورة انهيارها داخل الفندق لم تكن تفارقني. كانت تبكي وكأنها تحمل عمرًا كاملًا فوق صدـ,,ـــرها. حتى أمي بدأت تلاحظ تغيّري. صرتُ أكثر صمتًا. أعود من العمل وأجلس ساعات دون كلام. وفي إحدى الليالي سألتني بهدوء هل البنت؟

رفعتُ عيني نحوها، لكنني لم أعرف ماذا أقول. لأن الحقيقة كانت أعقد من كلمة . قلت أخيرًا لا أعرف يا أمي. ولأول مرة منذ سنوات شعرت أنني متعب من الكره نفسه. مرّ أسبوعان كاملان دون أن أراها. وخلال تلك الفترة كنت أستيقظ أحيانًا على صورة أخي داخل رأسي دون سبب. طفل صغير يضحك ثم يختفي فجأة تحت ملاءة بيضاء داخل مستشفى بارد. كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها. لكن الكره نفسه بدأ يستنزفني ببطء.

ثم اتصل بي والدها. صوته كان هادئًا، لكنه لم يحمل تلك القوة التي اعتدت سماعها فيه. بدا متعبًا بشكل غريب. قال فقط هي لا تأكل منذ أيام وأظن أنها تحتاج أن تتحدث معك. كدت أرفض فورًا. جزء داخلي كان ما يزال يريد أن يصرخ في وجهه أنت السبب. لكن شيئًا آخر داخلي شيئًا أكثر تعبًا من الغضب دفعني للذهاب. وعندما دخلت بيتهم شعرت لأول مرة أن ذلك القصر ليس مريحًا كما كنت أتخيل دائمًا.

كان واسعًا أكثر من اللازم. صامتًا أكثر من اللازم. باردًا بطريقة غريبة. كأن الحزن يعيش داخله منذ سنوات. حتى الخدم كانوا يتحركون بهدوء مبالغ فيه كأن الجميع يخاف إيقاظ شيء ثقيل نائم داخل الجدران. وجدتها جالسة قرب النافذة. ترتدي عباءة سوداء واسعة تخفي جسدها بالكامل، وتضم يديها داخلها كأنها تحاول الاختباء من العالم كله.

بدت أضعف بكثير من آخر مرة رأيتها فيها. وجهها كان شاحبًا بشكل أخافني للحظة. وعندما رفعت عينيها نحوي خفضتهما فورًا. جلستُ أمامها دون مقدمات طويلة. كنت أعرف أنني لو ترددت فلن أسأل أبدًا. ثم قلت مباشرة أخي بسبب العملية فعلًا؟ تجمّد وجهها بالكامل. ورأيت الرعب يمر داخل عينيها للحظة قصيرة. وبعد ثوانٍ طويلة بدأت تبكي بصمت.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
عع

عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
289مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

يوم طلاقي1 روايات

يوم طلاقي1

يوم طلاقي ابويا حلف لطليقي وقاله بنتي هجوزها لاول حد يطلبها حتى لو كلب ، قام جارنا المجذوب…

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 5 دقائق
رجعت من مأموريه روايات

رجعت من مأموريه

رجعت من مأمورية قبل معادي ومن غير ما أقول لحد إني راجع، عشان أفاجئ مراتي. لكن أول ما فتحت …

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 22 دقائق