تزوجت بنت رجل غنى

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

سكتُّ طويلًا. ثم سألتها فجأة هل تكرهينه؟ ارتجفت شفتاها فورًا. وكأن السؤال مزّقها من الداخل. ثم همست بعد صمت طويل كل يوم ثم أحبه من جديد. تلك كانت أول مرة أفهم فيها حقيقة عذابها فعلًا. بعد ذلك اليوم بدأت أراها بشكل مختلف. خارج شكلها. وخارج كلام الناس. وخارج كل الإشاعات التي لاحقتها عمرها كله.

رأيت إنسانة تعيش داخل عقوبة مستمرة منذ سنوات. كانت بالكاد تنام. وتتناول أدوية نفسية منذ مراهقتها. وأحيانًا كنت أسمعها تستيقظ مذعورة من بعد كوابيس لا تخبرني عنها. وتشعر بالذنب حتى وهي تضحك. كأنها تعتذر عن وجودها نفسه. وفي المقابل بدأت هي ترى عالمي الحقيقي لأول مرة. رأت أمي وهي تختنق ليلًا بسبب ضعف تنفسها. رأت البيت الضيق القديم. رأت الرطوبة على الجدران. ورأت كيف كنت أعود من العمل ويدي مليئتين .

وفي إحدى المرات رأتني أغيّر ضمادة يدي بعد يوم طويل في البناء. كانت واقفة عند باب الغرفة بصمت. ثم اقتربت ببطء وهي تنظر إلى الجرح المفتوح قرب أصابعي. وفجأة بكت. قالت وهي تحدّق في يدي وكأنها ترى شيئًا لا تحتمله كل هذا ونحن كنا نعيش هناك دون أن نشعر بأي شيء. لم أعرف ماذا أقول وقتها. لأنني لأول مرة شعرت أن أحدًا من عالمها يرى عالمنا فعلًا.

ليس كحكاية حزينة يسمعها الناس ثم ينسونها بل كشيء حقيقي يمكن لمسه. ومنذ ذلك اليوم بدأت تزور أمي كثيرًا. في البداية كانت أمي متحفّظة معها بشكل واضح. تراقبها بصمت طويل. وكأنها تحاول أن تقرر هل تكرهها أم تشفق عليها. لكنها مع الوقت بدأت تراها على حقيقتها. امرأة خائفة أكثر مما هي مؤذية. وفي إحدى الليالي سمعت أمي تسعل بقوة داخل غرفتها. وقبل أن أتحرك وجدتها تركض نحوها.

جلست بجانبها تساعدها على التنفس وترتب الوسادة خلف ظهرها بيدين ترتجفان. ثم بقيت مستيقظة قربها حتى الفجر. وفي الصباح سمعت أمي تقول لها بصوت متعب أنتِ لستِ أباكِ. تجمّدت ملامحها بالكامل لحظة سماع الجملة. ثم بدأت تبكي بصمت وكأن أحدًا فتح جرحًا قديمًا داخلها. ومع مرور الأيام بدأ شيء غريب يتغيّر بيننا. لم يكن حبًا. ولم يكن غفرانًا. بل نوعًا من الفهم البطيء والمؤلم. صرنا نتــ,,ـــــحدث أحيانًا لساعات طويلة.

عن الخوف. عن الوحدة. عن الشعور بأن الحياة بدأت بشكل خاطئ منذ البداية. هي كانت تخاف من الناس. وأنا كنت أخاف أن أقترب منها أكثر مما ينبغي. لأن جزءًا داخلي كان ما يزال يرى أخي كلما نظرت إلى الندبة أسفل بطنها. لكن أكثر شخص تغيّر كان والدها. بعدما عرف أنني عرفت الحقيقة كاملة لم يحاول تهديدي. ولم يحاول شراء صمتي أيضًا.

بل بدا وكأنه تعب أخيرًا. صار أكثر هدوءًا. وأقل ظهورًا. حتى خطواته داخل البيت أصبحت أبطأ. وكأنه يحمل داخله ثقلًا قديمًا بدأ مع العمر. وفي إحدى الليالي طلب أن نتــ,,ـــــحدث وحدنا. جلس أمامي طويلًا دون كلام. وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن الصمت بيننا أثقل من أي شجار. ولأول مرة لم أرَ رجل الأعمال الذي يخافه الجميع. رأيت أبًا عجوزًا فقط.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
عع

عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
289مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

يوم طلاقي1 روايات

يوم طلاقي1

يوم طلاقي ابويا حلف لطليقي وقاله بنتي هجوزها لاول حد يطلبها حتى لو كلب ، قام جارنا المجذوب…

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 5 دقائق
رجعت من مأموريه روايات

رجعت من مأموريه

رجعت من مأمورية قبل معادي ومن غير ما أقول لحد إني راجع، عشان أفاجئ مراتي. لكن أول ما فتحت …

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 22 دقائق