لم تستطع كره أبيها. ولم تستطع مسامحته أيضًا. وهنا بدأت مأساتها الحقيقية. دخلت في اكتئاب حاد. انعزلت عن الناس. وكان الطعام الشيء الوحيد الذي يمنحها شعورًا قصيرًا بالأمان كلما انهارت نفسيًا. ومع السنوات بدأ وزنها يزداد بشكل واضح. أما الناس فلم يعرفوا شيئًا من الحقيقة. كل ما رأوه فتاة بدينة ومنطوية تدخل مصحات نفسية أحيانًا وتختفي لفترات طويلة. وبدأت الإشاعات تنتشر حولها بشكل .
مرة يقولون إنها مجنونة. ومرة يقولون إنها ناقصة. وبعضهم كان يلمّح بأنها ليست عذراء أصلًا بسبب العمليات والعلاج والمصحات التي تدخلها. وفي إحدى المرات سمعت بنفسها امرأة تهمس في عرس قريب لها أكيد أبوها يخفي مصيبة. ثم ضحكت الأخرى قائلة لو كانت طبيعية لتزوجت منذ زمان. حبست نفسها بعدها أسبوعًا كاملًا داخل غرفتها. أما هي فكانت تسمع كل ذلك وتسكت. قالت بصوت منخفض مع الوقت بدأت أصدقهم أنا أيضًا.
ورغم كل شيء كان والدها يحبها فعلًا. لكن بطريقة مشوّهة ومؤذية. كان يحاول علاجها باستمرار. يجلب لها أطباء نفسيين. يسافر بها أحيانًا للخارج. ويغضب بجنون إذا سمع أحدًا يسخر منها. لكنه في الوقت نفسه كان السبب الحقيقي في كل ما . ولهذا أصبحت مؤلمة جدًا. هي لا تستطيع لأنه أبوها الذي تربّت على حبه وطاعته. وهو لا يستطيع الاعتراف بما فعله لأنه أقنع نفسه لسنوات أنه فقط أنقذ ابنته.
وعندما اقترب عمرها من الثلاثين بدأ يخاف أكثر. ليس لأنها ستبلّغ عنه. هو يعرف أنها لن تفعل ذلك أبدًا. بل لأنه رأى الذنب ببطء كل يوم أمام عينيه. وكان يريد تزويجها لرجل محترم يعيدها للحياة قليلًا ويُسكت كلام الناس في الوقت نفسه. لكنها رفعت عينيها نحوي أخيرًا وقالت لكنه اختارك أنت تحديدًا لسبب آخر. شعرتُ بقلبي ينقبــ,,ـــــض. كان يعرف من تكون. سكتت لحظة. ويعرف أن عائلتك هي العائلة التي خسرت طفلها يوم نجاتي.
اختفى الهواء من الغرفة. أظنه كان يحاول أن يعوّض شيئًا لا يمكن تعويضه. ثم أضافت بصوت موجوع لكن بطريقة أنانية ومشوّهة. وعندما فهمتُ كل ذلك داخل تلك الغرفة لم أعرف ماذا أشعر. كره؟؟ شفقة؟ كل شيء اختلط بشكل مرعب. كنت أريد أن أصرخ في وجهها وكيف ما زلتِ تحبينه بعد كل هذا؟! لكنها سبقتني وهي تبكي كنت أريد أن أخبرك قبل الزواج لكنني كلما رأيت صورة أخيك في بيتكم كنت أجبن.
ثم همست بصوت مرتعش وخفت أكثر أن تكره أبي أمامي لأنني رغم كل شيء ما زلت أحبه. تلك الجملة وحدها كانت كافية لتكسر شيئًا داخلي. لأنها كانت حقيقية بطريقة جدًا. هي ليست فتاة شريرة. ولا امرأة تخطط من أبيها. ولا بطلة ستقف أمام الناس . هي فقط ابنة كبرت وهي ترى أباها الرجل الذي أنقذ حياتها ثم اكتشفت متأخرة أن حياتها بُنيت فوق طفل آخر.
ومنذ ذلك اليوم وهي تعيش بين حبٍّ لا تستطيع وذنبٍ لا تستطيع احتماله. ظلّت تبكي بصمت، بينما كنتُ عاجزًا حتى عن النظر إليها. كل شيء داخل رأسي كان مختلطًا بشكل . أخي. أمي. صورة أخي الصغيرة وهو يركض خلفي في الحارة بضحكته العالية. السنوات التي عشناها في الفقر. ونظراتها المرتعبة. وذلك الرجل الذي أحبّ ابنته لدرجة بها حياة غيره.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.