رأيت أبًا عجوزًا فقط. لكن ذلك لم يجعلني أنسى شيئًا. ثم قال بصوت متعب أعرف أنك تكرهني. لم أجب. فأكمل بعد صمت قصير ولو عاد الزمن سأفعل الشيء نفسه مرة أخرى حتى لا ابنتي. شعرتُ بالغضب يشتعل داخلي فورًا. حتى أنني نهضت من مكاني . حتى لو كان الثمن طفلًا آخر؟! رفع عينيه نحوي ببطء. ولم يدافع عن نفسه. ولم يبرر. قال فقط بصوت محطم في تلك الليلة كنت مستعدًا أن العالم كله حتى لا ابنتي.
كرهته أكثر في تلك اللحظة. لكني فهمته أيضًا بطريقة أرعبتني. لأنني أدركت فجأة أن بعض البشر لا يرتكبون أسوأ أفعالهم بدافع الشر بل بدافع الحب حين يتحول إلى خوف أعمى. ثم قال وهو ينظر إلى الأرض بعض الآباء يتحول حبهم إلى أنانية دون أن يشعروا. سكت قليلًا ثم أكمل الطبيب قال إن أخاك لن يعيش غالبًا وتمسكتُ بهذه الجملة كأنها عذر.
تنفّس بصعوبة. دفعت مالًا وأغلقت أفواهًا وأقنعت نفسي أنني أنقذ ابنتي فقط. ثم رفع عينيه نحوي أخيرًا لكنني في الحقيقة كنت عائلة كاملة حتى لا أخسر ابنتي. تلك كانت أول مرة يعترف فيها بشيء بهذا الوضوح. ليس أمام الناس. ولا أمام الشرطة. بل أمامي أنا فقط. وبشكل غريب لم أشعر بالراحة بعد اعترافه. لأن الاعتراف لا يعيد . ولا يجعل الطفل الذي قبل سنوات يفتح عينيه من جديد.
بعدها بأشهر بدأت بها تستقر بطريقة غريبة. لا نحن زوجان طبيعيان. ولا نحن غريبان. شيء معلّق بين الاثنين. أحيانًا نقترب كثيرًا ثم يعود الماضي فجأة ليقف بيننا كجدار بارد. وأحيانًا كانت تستيقظ من وهي تبكي بعدما ترى طفلًا صغيرًا في أحلامها يناديها. وفي بعض الليالي كانت تضع يدها فوق الندبة أسفل بطنها وتظل صامتة طويلًا وكأنها تسمع شيئًا لا أستطيع سماعه. أما أنا فكنت أرى أخي كلما نظرت إلى تلك الندبة.
أراه يركض في الحارة القديمة ثم يختفي داخل غرفة العمليات إلى الأبد. وفي يوم ممطر كانت عائدة مع والدها من زيارة طبيبها النفسي عندما وقع على الطريق السريع. سيارة فقدت السيطرة وسط المطر بهم . أصيبت هي بجروح خفيفة لكن والدها دخل العناية المركزة. وعندما وصلتُ إلى المستشفى وجدتها جالسة على الأرض قرب باب الطوارئ تبكي كطفلة صغيرة. كانت ترتجف بالكامل وتكرر بصوت مخنوق لا أريد أن لا أريد أن أخسره حتى الممرضات لم يستطعن تهدئتها.
وفي تلك اللحظة فقط فهمت حقيقة كله. هي لا تدافع عنه لأنه بريء. ولا لأنها نسيت ما فعله. بل لأنه أبوها. الرجل نفسه الذي حياة عائلة كاملة هو نفسه الرجل الذي كان يحملها بين ذراعيه كل ليلة خوفًا عليها وهي صغيرة. وفي مجتمعاتنا الأب يبقى شيئًا متجذرًا داخل القلب بطريقة مرعبة. حتى حين يتحول إلى جرح. وبعد ساعات طويلة خرج الطبيب وأخبرنا أن حالته استقرت.
رأيتها تنهار وقتها من شدة البكاء. وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الليل. لكن غيّره فعلًا. بعد خروجه من المستشفى لم يعد الرجل نفسه. صار أهدأ. وأقل سيطرة عليها. حتى صوته أصبح أخف. وكأنه أدرك أخيرًا أن يقترب من الجميع مهما امتلكوا من مال ونفوذ. وفي إحدى المرات سمعته يقول لها بهدوء عيشي حياتك لا تعيشي داخل خطئي أنا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.