ما كانش معاها جوزها ولا عيالها. “اتفضلي يا مي.” قلتلها وأنا بوسع لها الطريق. دخلت بهدوء، مشيت في الريسبشن وبصت للشباك الكبير، وبعدين تلفـّتت لي وقالت بصوت خالي من أي طمع: “أنا جاية أرجعلك دي…” مدت إيدها، وكانت ماسكة الورقة القديمة بتاعة السيدة زينب… الورقة اللي أنا كنت حاططها في المصحف، والشركة اللي سابتها أمنا. “جبتيها منين؟” سألتها بفضول.
“لقيتها في الكومودينو بتاع بابا بعد ما مات…” ابتسمت ابتسامة خفيفة مكسورة: “بابا كان محتفظ بيها طول السنين دي… كان بيقرأها كل ليلة عشان يفكر نفسه بالحقيقة، ويحاول يهرب منها بالدلع اللي كان بيديهولي.” مسكت الورقة منها، وبصيت فيها لثواني. وبعدين، طلعت الولاعة من جيبي، وولعت في طرف الورقة. فضلنا واقفين بنتفرج عليها وهي بتتحول لرماد في أيدي، لحد ما رميت الجزء الاخير منها في أشتراي الرخام.
“كده السر مات بجد يا مي…” قلتلها وأنا ببص في عينها: “أنتِ أختي… غصب عن أي ورق، وغصب عن الماضي كله. بس الشقة دي… الشقة دي تعبي، وبيتي اللي بنيته بعرقي.” مي هزت رأسها بالايجاب، ودمعة واحدة نزلت على خدها: “عارفة يا مجدي… وأنا مش عايزة غير إنك تكون مرتاح.
الشقة دي بتاعتك، وأنت تستاهلها أكتر من أي حد.” سلمت عليّ، ومشت. قفلت الباب وراها، ولفيت دورت دورات المفتاح الكاملة في القفل. مشيت لحد نص الريسبشن، وقفت في النور المالي المكان، وشديت نفس طويل جداً… نفس حر، ما فيهوش تقسط، ولا فيه سر، ولا فيه خوف من بكره. لأول مرة في حياتي… حسيت إني في بيتي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.