” بصيت لها من فوق. في اللحظة دي، شفت البنت الصغيرة اللي كانت بتجري ورايا في الصالة القديمة وهي ماسكة لعبتها، البنت اللي أبويا كان بياخد مني مصروفي عشان يجيب لها فستان العيد، وهي ما كانتش فاهمة حاجة… كانت فاكرة إن ده حقها الطبيعي، إن الدنيا كلها معطوفة عشان خاطرها. قعدت على القرفصاء قصادها، وحطيت إيدي على كتفها بتردد.
“مي…” نبرتي كانت خالية من أي غل، بس مليانة ثقل يهد جبال: “أنا عمرك ما شفتيني بكذب عليكي. عمرك ما شفتيني بطلب حاجة مش بتاعتي. أنا السنين دي كلها كنت ساكت عشان تعيشي مستورة وراثة الحماية دي… عشان ما تطليش على الدنيا وتلاقي نفسك في العراء.” دموعها نزلت مسحت الكحل على وشها، وبدأت تهز رأسها بالنفي وهي بتسد ودانها بإيديها الاتنين: “لا… لا! أنت بتكذب! أمي كانت بتصلي! أمي ما تعملش كده!
وأبويا… أبويا كان بيموت فيا! كان بيفضلني عليك أنت يا مجدي! معقولة كان بيعمل كل ده مع واحدة مش بنته؟” ابتسمت بمرارة، ابتسامة فيها وجع العمر كله: “أبويا ما كانش بيفضلك عشان بيحبك يا مي… أبويا كان بيفضلك عشان كان خايف. خايف الشك اللي بياكله من جوة يطلع صح، فكان بيبالغ في الدلع عشان يقنع نفسه والناس إنه الأب المثالي، وإنه ما اتخدعش.
كان بياخد مني أنا عشان يربطك بيه، يشتري سكوتك ووجودك جنبه بإنه يعملك كل اللي أنتِ عايزاه… أنتِ ما كنتيش بنته المدللة، أنتِ كنتِ قناعه اللي بيهرب بيه من عاره.” سكتت. العياط وقف فجأة، كأن الكلمات جمدت الدموع في عينها. أيديها نزلت من على ودانها بالراحة، وبصت للأرض… للرخام البارد بتاع الريسبشن. “وصابر؟” سألت بصوت واطي جداً، صوت يرعب من كتر ما هو ميت.
سحبت نفس طويل، ورجعت ضهري للورا: “صابر ده الراجل اللي أمك كانت بتحبه قبل ما تتجوز أبويا غصب عنها. الراجل اللي مشي وسابها، ولما حملت فيكي، أبويا اتجوزها وهي في الشهر التاني… وستر عليها وعليكي، بس السِتر ده تحول لسم مشي في عروق البيت كله. أمك ماتت بالسر، وأبويا بيصارع الموت في المستشفى برضه بالسر… وأنا أكلت نار السر ده لوحدي تلاتين سنة.
” مي فضلت قاعدة على الأرض، ما نطقِتش. كان شكلها زي عروسة لعبة اتفتحت سوستتها وانفض منها القطن كلّه. الهيبة اللي كانت داخلة بيها، الكبرياء، الدلع اللي كان بيفور من كلامها… كل ده اتنسح في ثانية. وفجأة، الموبايل رن تاني في جيبي. المرة دي مش عمي فتحي… المرة دي كانت دكتورة من المستشفى، رقم الأرضي بتاع العناية المركزة. رديت وحطيته على السبيكر من غير ما أفكر. “أستاذ مجدي؟
” صوت الدكتورة كان مستعجل ووراه صوت أجهزة القياس بتزمر بشكل متسرع ومجند. “أيوه يا دكتورة.” “الحالة بتاعة والدك تدهورت جداً… الجلطة أثرت على جذع المخ، والضغط بيقع. هو حالياً في لحظاته الأخيرة… وكان بيفوق لثواني يكرر اسمين بس: مجدي… ومي. لو حابين تلحقوا تشوفوه قبل ما الأجهزة تقف، تعالوا فوراً.” الخط قطع. صوت الزفير المتسرع من الموبايل اتقطع، ورجع السكون المرعب يملأ خمس أوض فاضيين. مي رفعت رأسها بصت لي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.