هل نسامحه إنه كدب علينا، ولا نكرهه إنه دمرنا؟ قمت وقفت، ومديت إيدي ليها. “يلا يا مي…” قلتها وأنا ببص للمفتاح الذهبي بتاع الشقة اللي كان محطوط على الترابيزة: “… اللعبة بتخلص خالص دلوقتي. وواجب علينا نروح نقفل الدفتر.” مسكت إيدي، وقامت بالعافية وهي بترتعش… وخرجنا من الشقة، وسبنا الباب مفتوح على وسعه.
وصلنا المستشفى والشمس بتشق سماء القاهرة بنور خفيف بارد، الريحة هناك كانت خليط من المطهرات والرهبة، الصوت الوحيد اللي مالي الدور هو صوت أجهزة العناية المركزة اللي بتزمر بنغمة بطيئة ومقطوعة. دخلنا الأوضة. أبويا كان نايم على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمه من كل ناحية، وش الراجل اللي كان بيهز البيت بصوته بقى انكمش وشاحب كأنه القماش الدايب. عينيه كانت نص مفتوحة، بتدور في السقف بقلة حيلة.
أول ما خطينا جوة، عينيه ثبتت علينا. عمي فتحي وحسام جوز مي كانوا واقفين في زاوية الأوضة زي الأشباح، محدش فيهم اتجرأ ينطق ولا حرف. السر كان زي الغاز المفخخ، أي كلمة غلط ممكن تفجر المكان كله. مي قربت من السرير ببطء شديد، رجليها كانت بتتسحب كأنها شايلة جبل. وقفت جنبه، بصت في وشه، ودموعها بتنزل من غير صوت… ما بقاش في عينها غضب، كان فيه بس أسئلة كتيرة مالهاش إجابات، وكسرة أمل عمره ما هيرجع.
أبويا رفع إيده اليمين بالعافية، صوابعه المرتعشة كانت بتدور على إيد مي. “مي…” طلع الصوت منه مكسور، زي خشبة بتتحرق: “سامحيني… يا بنتي.” مي بصت لي بقلة حيلة، عينيها بتترجاني أقولها تعمل إيه. في اللحظة دي، شفت في عيون أبويا حاجة عمرها ما ظهرت قبل كده… شفت الخوف الحقيقي، الخوف من إنه يخرج من الدنيا وهو عريان من كل الأوهام اللي عاش يبنيها. قربت من الناحية التانية من السرير.
مسكت إيده التانية اللي كانت ساقطة جنبه. “أنا مسامح يا بابا…” قلتها بنبرة هادية جداً، خرجت من أعماق قلبي بعد ما النار اللي كانت جوايا انطفت: “… مسامحك على تعبي، وعلى الأيام الضيقة، وعلى كل جثة سر عشت شايلها لوحدي. والسر ده… هيموت هنا، في الأوضة دي، ومش هيخرج منها أبداً.” أبويا بص لي، عينيه وسعت، وشفت فيها دمعة حقيقية بتنزل على خده.
كان فاكر إني جاي أنتقم، بس أدرك في لحظته الأخيرة إني كنت الحماية الحقيقية للبيت ده، مش السور المايل اللي كان خايف منه. نزل بصره لمي، وضغط على إيدها بآخر ما فاضل فيه من قوة: “أنتِ… بنتي… أنتِ مي…” مي انهارت، قعدت على ركبها جنب السرير ومسكت إيده باستها وهي بتنتحب: “بنتك يا بابا… بنتك.” الأجهزة بدأت تزمر بصوت متصل وطويل. الخط المستقيم ظهر على الشاشة، وأنا فضلت ضاغط على إيده لحد ما بردت تماماً.
بعد الجنازة بأسبوع، الشارع تحت كان هادي. كنت واقف في البلكونة الكبيرة بتاعة شقتي الجديدة، ماسك كوباية الشاي، وببص على الشارع. الريسبشن ورايا كان مالي النور، الخمس أوض فاضيين، بس المرة دي الفراغ ما كانش بيخوف… كان مليان راحة. سمعت صوت خبط خفيف على الباب. فتحت. كانت مي. كانت لابسة أسود، وشها هادي بس فيه نضج جديد عمره ما كان عندها. ما كانش معاها جوزها ولا عيالها. “اتفضلي يا مي.” قلتلها وأنا بوسع لها الطريق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.