الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل. الشارع تحت كان ساكت تماماً، إلا من صوت صفارة هوا خفيفة بتهز شيش البلكونة، وصوت تنقيط مية حنفية في المطبخ كنت كسلت أصلحها. كنت قاعد في الصالة على كرتونة قماش فاضية، الموبايل على الأرض جنبي وشاشته مطفية، بس كل شوية تنور من غير صوت. مسجات متواصلة من أرقام قرايبنا: عمامي، خيلاني، ونادت العيلة اللي بقالهم سنين ما افتكرونيش إلا في المآتم.
الكلام كان كله نبرة واحدة: “إيه اللي عملته في أختك وأبوك يا مجدي؟”، “أبوك بيموت في المستشفى بسببك”، “أنت هانت عليك عشرة أهلك عشان شقة؟” ابتسمت في الظلمة. هم ما يعرفوش حاجة. مي راحت حكت لهم النص اللي يناسبها… النص اللي يطلعني فيه الابن العاق الجشع اللي طرد أخته ويتم عيالها وعيّر أبوه المريض. طبعاً ما جابتش سيرة “صابر”، ولا جابت سيرة الورقة، ولا الأسرار اللي تهز طول وعرض العيلة.
وفجأة، الموبايل رن. مش مسج… رنة عادية. الاسم على الشاشة كان: “عمي فتحي”. الكبير بتاع العيلة، الراجل اللي كلمته سيف، والذي طول عمره شايفني “الولد الهادي اللي ما بيطلعلوش صوت”. فتحت الخط وسبته على ودني من غير ما أنطق. “أنت فين يا مجدي؟” صوته كان حاد، طالع من وسط دوشة مستشفى. “في بيتي يا عمي.” ردت ببرود رتب أفكاره بالكامل. “بيت إيه وزفت إيه اللي تبيع عشان أهلك؟
أبوك جاله جلطة يا ابن الكلب! جلطة واقفة في دماغه وممكن ما يقومش منها! وأختك قاعدة برة كأنها واحدة قتلت قتيل، مبتنطقش كلمة، وجوزها عمال يلغوش ويقول كلام مالوش معنى عن شرف العيلة وورق في إيدك! أنت هببت إيه؟” غمضت عيني، وحسيت بنغزة في صدري. جلطة؟ الراجل اللي كان ماشي الصبح كأنه جبل، الجبل اتهد في ثواني لما الحقيقة خبطت في صدره.
بس النغزة دي ما كانتش حزن، كانت ثقل… ثقل السنين اللي شلتها لوحدي. “عمي فتحي…” قاطعت انفعاله بصوت واطي بس ثابت: “… أبويا ما جاتلوش الجلطة عشان الشقة. أبويا جاتله الجلطة عشان الشرف اللي عاش يمثل إنه صاينه، طلع هو أول واحد عارف إنه مكسور. لو عايز تعرف السبب الحقيقي، اسأل أختك المتوفية — أمي — واسأل أبويا لما يفوق، خليه يقولك مين صابر بتاع السيدة زينب.
” الناحية التانية سكتت. السكوت بتاع عمي فتحي كان أتقل من صريخه. سمعت نفس متقطع، وبعدين صوت خطواته وهي بتبتعد عن دوشة المستشفى وبتدخل في طابق فاضي. “أنت… أنت بتقول إيه يا مجدي؟ أنت جنيت؟ أنت عارف الكلام ده معناه إيه؟” صوته المرة دي كان فيه ترجي ومتلخبط. “معناه إن اللعبة خلصت يا عمي.
أنا التزمت بالسكوت تلاتين سنة. دفعت ثمن سر مش بتاعي، اتحرمت من التعليم اللي بحبه، ومن اللقمة النظيفة، ومن حنية الأب اللي كان بيبصلي بكسرة ويبص لمي بحب مزيف عشان يغطي على عاره. المستشفى اللي أنت فيه ده؟ أنا دفع أستاذيته من صحتي. والشقة دي؟ مش هسيبها لحد… حتى لو أبويا مات، وحتى لو العيلة كلها اتجمعت عشان تطردني.” “الورقة فين؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.