أبو وليد، الغني المقتدر اللي كان بيصرف ويعطي، بين يوم وليلة أصبح على الحديدة ومطلوب للحبس بسبب ديون وكمبيالات! سلفتي قعدت في الأرض تصرخ وتولول: * “يا خرابي! هنروح فين؟ هنشحت؟ العيال هيتردوا في الشارع!” حماتي قعدت تعيط وتضـ,ـرب على صدرها، وأنا وإبراهيم واقفين مش مصدقين اللي بنسمعه. أبو وليد قعد على الأرض وحط رأسه بين إيديه وبكى بحـ,ـرقة، راجل كبير بطوله وعرضه بيبكي زي الأطفال من الكسـ,ـرة.
بص لإبراهيم وقال له: * “الشرطة جاية في السكة يا إبراهيم.. لو ما دفعتش مقدم للديون دي بكرة الصبح، أنا هتدخل السجـ,ـن، وأولادي هيمـ,ـوتوا من الجوع!” التفتت سلفتي وبصت لإبراهيم وبصت لي، والدموع مغرقة وشها، ولأول مرة أشوف في عينها التوسل والرجاء بدال الغرور والتكبر! قربت مني على ركبها ومسكت في جلبابي وقالت بصوت مكسور يقطع القلب: * “سامحيني يا أم سيف! أرجوكي سامحيني على كل اللي عملته فيكي وفي عيالك!
أنا عارفة إني ظلمتك وأكلت حقم، بس أبوس إيدك خلي إبراهيم يساعد أخوه.. أبو وليد هيتحبس وعيالي هينتشردوا!” إبراهيم بص لي.. كانت نظرة عجز وقهرة. هو ما حيلتوش غير الـ20 جنيه اللي رجع بيها، وأخوه الكبير مهدد بالسجن والضياع في ظرف ساعات! الظروف انقلبت 180 درجة.. الست اللي كانت بتعايرنا بالفقر وبتأكل لقمتنا بالباطل، أصبحت هي وعيالها مهددين بالمجاعة والشارع، وأبو وليد اللي كان الصنديد المقتدر بقى محتاج القشة اللي تنقذه!
وقفت في نص الشقة، وبصيت لسلفتي وهي تبكي تحت رجلي، وبصيت لجوزي اللي عاجز ومكسور، وقلت في سري: “يا رب.. أعمل إيه؟ أرد الصاع صاعين وأسيبهم يتخـ,ـرب بيتهم، ولا أقف جنبهم وأنا أصلًا مش حيلتي اللقمة؟” وفجأة، افتكرت حاجة كنت مخبياها عن الكل من سنين طويلة… سر ما حدش يعرفه خالص، حتى إبراهيم جوزي نفسه! بصيت لإبراهيم وقلت له بصوت ثابت وواثق: * “انزل معايا يا إبراهيم على شقتنا… في حاجة لازم تشوفها!
” نزل إبراهيم ورايا السلم وهو مش فاهم حاجة، دماغه مشتتة ووشه مشدودة عليه علامات الحيرة والذهول. دخلنا الشقة وقغلت الباب بالمفتاح، ودخلت على أوضة النوم، وفتحت الدولاب، وطلعت من تحت الملايات كيس قماش قديم ومربوط بجامد، ومحطوط جوه علبة صفيح قديمة. قعدت على السرير وفكيت الكيس، وقعدت أطلع منه أساور دهب عريضة، وسلسلة ثقيلة، وخاتمين!
إبراهيم اتسمر مكانه وعينيه اتوسعت من الصدمة، وقرب مني ببطء وهو مش مصدق عينيه، وقال بصوت يرعش: * “إيه ده يا أم سيف؟! ده دهب؟! جيبتيه منين ده كله؟ أنتِ مخبية عليا دهب في البيت وأنا مش عارف؟!” مسكت إيده وقعدته جنبي، وبصيت له وبقيت أبتسم والدموع في عيني وقلت له: * “ده الدهب اللي أمي الله يرحمها سابتهولي وصتني ما أطلعوش غير في الشديد القوي.
. الدهب ده كان حمايتي وحماية ولادي للزمن. طوال السنين اللي فاتت، لما كنت تجيب لي 100 أو 300 جنيه، وكنت أدبر العيشة بالفول والبطاطس، كنت أحياناً بفك من حريتي أو أحوش القرش على القرش عشان أحافظ على الدهب ده زي ما هو، وعمري ما رضيت ألمسه ولا حتى أقولك عليه، عشان كنت خايفة من يوم أسود زي ده!” إبراهيم مسح وشه وبص للدهب وبص لي وقال بنبرة مليانة خجل: * “بس ده حلالك يا أم سيف.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.