سلفي مسكها من دراعها بغشم وقالها بنبرة ترعب: * “الكلام ده صح؟ انطقي! الفلوس اللي كنت باخدها منك كل أسبوع عشان تديها لإبراهيم.. الفلوس اللي كنت بتكتب في أجندتي إنها دين على أخويا.. الفلوس دي كانت بتروح فين؟!” سلفتي بدأت تتلعثم ودموعها تنزل بكذب: * “والله العظيم بتتبلى عليا يا أبو وليد! دي غيرة حريم.. هي غيرانة مني عشان أنت مقتدر وجوزها على قد حاله!
أنا.. أنا كنت بشتري لهم حاجات وأحطها في مطبخها!” رديت عليها فوراً وأنا بفتح تلفوني وبطلع رسايل وصور: * “حاجات إيه يا أم وليد؟! وريني كيس فاكهة واحد دخل بيتي! وريني كيلو رز واحد دخلت بيه عليا! إبراهيم جوزي خاف يتكلم عشان ما يخربش بيتك، وخاف يخسر أخوه، بس أنتِ استغلبتي ضعفه وفقرنا، وكنتِ بتنزلي تضغطِ عليه وتحطي عينك في عينه وتقولي له: ‘اسألي جوزك أنا بنزل عندك ليه!
’ عشان تخليني أشك في جوزي وأخرب بيتي بإيدي!” إبراهيم قدم خطوة ووقف جمبي، وبص لأخوه الكبير والدموع في عينه وقال: * “يا أبو وليد.. أنت أخويا الكبير ومقام أبايا. لما جيت لي الورشة وقلت لي على الدين والفلوس، أنا أتعصرت في قلبي، وكنت هتمـ,ـوت من القهرة.. أنا عمري ما طمعت في جنيه من جيبك، وعمري ما طلبت منك حاجة..
مراتك كانت بتستغل إننا ساكتين عشان ما نكسركش، وكانت بتنزل تأكل قوت ولادي وتعمل اللعبة دي علينا كلنا!” حماتي قعدت على الكرسي وهي حاطة إيدها على قلبها، وبصت لسلفتي باستحقار وقالت: * “يا مري! بقى بتعملي كدة في أخو جوزك الفقير؟ بتسرقي أكل عياله وتيجي تقولي لي تنزل ناكل عندهم عشان نصلح حالهم؟ يا مري على الغل والحقد اللي في قلبك!
” سلفي ساب دراعها وفضل يبص لها بذهول، كأنه شايف واحدة غريبة أول مرة يشوفها في حياته. مسك الأجندة اللي كان بيكتب فيها المصاريف من على الترابيزة ورماها في وشها وقال بصوت مكتوم من الغضب: * “أنا كنت بخصم الفلوس دي من رزق محلاتي، وكنت فاكر إنني بسند أخويا الصغير في زنقته.. أثاريكِ كنتِ بتاخدي الفلوس تكتنزياها وتنزلي تأكلي أكل عياله الجعانين؟! أنتِ إيه؟ إبليس ما يعملش عملتك دي!” سلفتي وقفت تعيط وتصرخ: * “يا أبو وليد افهمني.
. أنا كنت بجمع الفلوس دي للزمن! كنت خايفة من بكرة!” سلفي صرخ فيها بعلو صوته: * “تجمعي الفلوس من قوت عيال أخويا؟! من اللقمة الناشفة اللي بيجمعوها بـ100 جنيه في اليوم؟! أنتِ حلال فيكي الرمي في الشارع!” مسكها من إيدها وزقها ناحية الأوضة وقالها: * “اتلمي جوه وحسابك معايا مش هينتهي النهارده.. ورسالة لأهلك هتكون عندهم الصبح!” وبعدين التفت لي ولإبراهيم، وعينه مليانة خجل وكسرة عمره ما حس بيها قدام أخوه الصغير.
قرب من إبراهيم وحط إيده على كتفه وبص في الأرض وقال بصوت مرعوش: * “حقك عليا يا إبراهيم.. حقك عليا يا أخويا. أنا اللي كنت أعمى ومش شايف. والفلوس اللي اتكتبت دي أنا هقطع أجندتها تحت رجليك، وحق عيالك وأكلهم اللي اتقطع من بقهم أنا مسئول عنه قدام ربنا قبل ما يكون قدامكم.” أنا بصيت له وقلت بنبرة هادية بس جادة: * “إحنا مش عايزين منك فلوس يا أبو وليد، ولا عمرنا طلبنا شحتة من حد.
إبراهيم جوزي أرزقي وبيجيب القرش بعرق جبينه، ومهما كان الأكل فول وطعمية بنقول الحمد لله وننام شبعانين وكرامتنا مرفوعة. كل اللي كنت عايزاه إن الحق يظهر، وإن بيتي يتقفل عليا وعلى عيالي وما يدخلوش حد مستكتر علينا اللقمة!” إبراهيم مسك إيدي وبص لي بنظرة كلها احترام وامتنان، ونزلنا سوا على شقتنا بعد ما العمارة كلها عرفت الحقيقة والسر اتكشف. دخلنا شقتنا وقفلنا الباب. كان المكان هادي، والعيال خايفين وقاعدين مستنيينا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.