كانت كلما مسحت بلاطاً أو جثت على ركبتيها لغسيل سجاد، تذكرت نادية وشهقت بالدموع وهي تردد: "حقك يا نادية.. ذنبك بياكل فينا!"مرت ثلاث سنوات كاملة..تغيرت الأحوال، واستوى عدل الله في الأرض. في إحدى القاعات الكبرى بأحد أرقى فنادق القاهرة، كان يُقام حفل تكريم لرواد الأعمال الشبان والنساء الملهمات في المجتمع.
كانت الأضواء ساطعة، والعدسات تتسابق، والموسيقى تصحَب الحاضرين. على المنصة الرئيسية، وقفت نادية بكامل هيبتها ووقارها، ترتدي ثوباً راقياً يعكس حجابها وعزتها، وفي يديها درع التميز كرئيسة مجلس إدارة **"مؤسسة نادية للإطعام والتنمية"**، التي أصبحت تمتلك سلسلة مطاعم ومطابخ مركزية توظف مئات النساء والمعيلين في مختلف المحافظات.
وقفت نادية أمام الميكروفون، وحولها الحضور يصفقون بحرارة، وكان أخوها خالد يقف في الصف الأول وعيناه تدمعان فخراً وشرفاً بأخته. أومأت نادية للحضور بابتسامة وثقة، ثم تحدثت بصوت واضح ورنان ملأ القاعة:"كل نجاح وراه جرح.. وكل قوة بتولد من رحم الوجع.
زمان، كانوا فاكرين إن رحمي معيب وما يشيلش، وما كنسوش عارفين إن ربنا كان شايل لي خلفة ثانية خالص.. كان شايل لي كيان واسم ونجاح يعيش ويخدم آلاف البيوت. أنا مش واقفة هنا عشان أقول إني انتقمت، أنا واقفة عشان أقول لكل ست اتظلمت واتقهرت واتقالت لها كلمة كسرت قلبها: إنتي مش خدامة حد، إنتي القوة والكرامة لو عرفتي قيمة نفسك ووقفتي على رجليكي.
"ارتفعت التصفيقات في القاعة كالعاصفة. وفي نفس تلك اللحظة، وفي زنزانة ضيقة ومظلمة خلف القضبان الحديدية، كان محمود يجلس في الزاوية، يرتدي ملابس السجن الزرقاء، يمسك بجريدة قديمة وقعت في يده بالصدفة، وعلى غلافها صورة نادية وهي تتسلم درع التكريم وتحتها عنوان عريض: **(نادية الأصيلة: من القه-ر إلى القمة)**.سقط-ت دمعة حار-قة من عين محمود على صورة نادية، يداه ترتجفان وهو يلمس وجهها في الصورة، يتذكر يوم كانت تخبز له الأكل بيدها، ويوم كانت تغسل قدمي أمه، ويوم أن دخل عليها بامرأة أخرى وظن أنه ملك العالم.
عصر الجريدة بين قبضتيه وبكى بصوت مكتوم وهستيري، حسرةً على الجوهرة التي فرط فيها، وعلى العمر الذي ضاع خلف الأسوار، وعلى العيلة التي تفرقت وتبددت لأنها بنيت على الظلم والطمع. خرجت نادية من الحفل إلى الهواء الطلق، رفعت وجهها إلى السماء والنسمات الباردة تلامس وجهها، واستنشقت عبير الحرية والكرامة، وهي تعلم يقين العلم أن الفصل الأخير من حياتها القديمة قد أُغلق للأبد، وأن كتاب مجدها ورفعتها قد بدأ للتو.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.