. وأنا معنديش فلوس للهوا."محمود حس ببرودة تسري في أطرافه: "يا حاج توفيق، أديني مهلة أسبوع بس أبيع حتة الذهب المتبقية أو أتصرف!"توفيق: "مفيش مهل يا محمود. بكرة الفلوس يا إما البوليس ينزل ياخدك من بيتك."أغلق الحاج توفيق الخط، ليتلقى محمود ضربة قاضية جديدة.لم يكن يملك ربع المبلغ المطلوب!
أما نادية، فكانت تقف في الصالة الواسعة للمقر الجديد لـ **"مؤسسة نادية للإطعام والحلويات"**. المكان أصبح يضم أكثر من عشرين عاملة،ظروفهن الشاقة شابهت ظروفها قديماً، فأنقذتهن نادية ووفرت لهن حياة كريمة. دخل خالد إلى المقر وهو يحمل أوراقاً جديدة، واكتست وجهه ابتسامة رضا:"نادية.
. ورق الطلاق الجبري بضرر أخيرًا انختم من المحكمة! إنتي رسمياً مش زوجة لـ محمود، وعصمته انقطعت عنك للأبد!"نادية أخذت الورقة بيدين ثابتتين، قرأت اسمها وشاهدت ختم الدولة المعترف بحريتها واستقلالها. لم تبكِ ولم تصرخ، بل أغمضت عينيها ونشقت نفساً عميقاً حاراً كانت تحبسه في صدرها منذ سنوات، ثم رفعت رأسها وقالت:"الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
. اليوم ده هو عيد ميلادي الحقيقي يا خالد."لكن الهدوء لم يدم طويلاً..في المساء، وبينما نادية تلملم أوراقها لتغادر المقر، اقتحم محمود المكان بملابس رثة ووجه مجنون، والشرر يتطاير من عينيه! الأمن حاول منعه، لكن نادية أشار لهم بأن يتركوه. محمود بثورة وجنون: "ارتحتي يا نادية؟
!أخذتي الشقة، وأخذتي الفلوس، وطلبتي الطلاق وأخذتيه، وخليتي التجار يرفعوا عليا شيكات وهيحبسوني بكرة! إنتي عايشة في العز والأنوار، وأنا وأمي وعفاف بناكل في التراب!"نادية وقفت من خلف مكتبها الفخم، لم تهتز، ونظرت إليه بنظرة تشع بأس كالعناية الإلهية:"إنت اللي اخترت الطين يا محمود لما بعت الأصالة.
فاكر لما دخلت عليا بالست هدير وهي حامل وقلتلي 'لمي الليلة والناس بتتفرج'؟ فاكر لما أمك قالتلي 'إنتي معيبة ورحمك مش شايل'؟ ربنا ما بيسيبش مظلوم، وكل قرش وكل دمعة نزلوا مني في بيتكم، ربنا بيردهم لي أضعاف مضاعفة، وبيردهم عليكم عدل وقصاص!
"محمود ارتمى على الأرض عند طرف المكتب، وبدأ يبكي بحرقة وذل، ماسكاً بطرف الطاولة:"أبوس إيدك يا نادية.. أنقذيني من السجن بكرة! أكتبي الشيك باسمك أو ادفعي الفلوس وأنا هشتغل خدام تحت رجليكي في المطبخ ده! أمي بتموت وعفاف اتجننت، والبيت ضاع.
. أنقذيني ولو عشان الأيام الحلوة اللي كانت بينا!"نادية نظرت إليه وهو منكسر تحت قدميها، الرجل الذي كان يمارس عليها الجبروت والذكورية الزائفة، أصبح الآن يستجدى عطفها ولقمتها. رفعت نادية هاتفها واتصلت بشرطة النجدة وقالت ببرود تبتسم له:"أهلاً يا فندم.. فيه شخص اقتحم مقر شركتي وبيهدد العاملين وبيحاول يبتزني مالياً.
. ياريت تبعتوا دورية بسرعة."محمود بص لنادية بذهول وذهول ورعب: "نادية!! إنتي بتسلميني للشرطة؟!"نادية وقفت وشمرت ساعديها بثقة وقالت له الكلمة التي أحرقت ما تبقى من كبريائه:"أنا ما بفرطش في حقي، وما بنقذش خاين يا محمود. السجن هو المكان الطبيعي للي يدوس على نسوان الأصول.
وكرة الصبح لما المحضر يجي ياخدك للشيكات، هتفتكر إن نادية أخذت حقها بالقانون.. وحساب السماء لسه مخلصش!"وصلت دورية الشرطة خلال دقائق، وكان محمود لا يزال جرفاً منهاراً على أرضية المقر، يبكي وينتحب من هول الصدمة والذل.
اقتاده أفراد الشرطة وهو يلتفت خلفه بنظرات مكسورة ومترجية، لكن عين نادية لم ترمش، وكانت نظرتها أصلب من الحديد. في صباح اليوم التالي، تحركت قضية الشيكات الخاصة بالحاج توفيق، وانضمت إليها الأحكام والديون القديمة. لم يجد محمود من ينقذه؛
أمه طريحة الفراش لا تملك شيئاً بعد أن باعت قيراط البلد لسداد الكفالة الأولى، وعفاف أصبحت عاجزة تائهة لا تعرف كيف تدير أمور حياتها، وهدير اختفت تماماً بعد أن كسبت قضية الخلع وطوت صفحته إلى الأبد.
صدر الحكم النهائيوتم نُقل محمود إلى السجن ليمضي عقوبة السجن المشدد بسلب الحرية عن كل ما ارتكبه من ديون وخيانة أمانة. أما البيت الكبير، فتداعت أركانه. خبت أنواره، وأصبح عبئاً وثقلاً على ساكنيه. عفاف لم تعد تحتمل خدمة أمه المسنة وحدها مع خلو الجيب واليد، فاضطرت للبحث عن عمل بسيط في تنظيف البيوت لتؤمن القوت والداء، لتذوق بنفسها وطأة كل نقطة عرق كانت تسكبها نادية قديماً دون كلمة شكر واحدة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.