مطلقات خرجن من بيوت بلا سند.
فتيات بلا مأوى يبحثن عن سقف آمن.
لم يكن البيت فخما ولم تكن فيه أسرة متشابهة أو أثاث فاخر.
لكنه كان آمنا. وكان ذلك كافيا.
كانت تقول لهن كلما جلست مع إحداهن قرب الموقد
هنا لا يدفن الخير. هنا ما يعطى يعود.
لم تكن تعظهن بل تحكي لهن قصتها. عن الجدار. عن الصندوق. عن القرار.
كانت خوسيفينا الصغيرة تكبر بين تلك القصص تحفظها كما يحفظ الأطفال الحكايات قبل النوم. لكنها لم تكن حكايات خيالية.
كانت دروسا حية.
تعلمت أن الكرامة لا تشترى بالذهب.
وأن الصواب قد يكون أصعب طريق يختار لكنه الأهدأ نوما.
وأن الإنسان يقاس بما يفعل حين لا يراه أحد.
كبرت الطفلة وهي ترى أمها تعمل تستمع تواسي وتشارك. ولم تكن تشعر بالفقر لأن البيت كان ممتلئا بما هو أثمن من المال بالثقة.
بقيت اللوحة في مكانها على الجدار الخلفي.
لم تنزل.
لم تبع.
لم تخف.
صارت علامة صامتة على ما حدث ذات يوم. كان كل من يدخل البيت يسأل عنها فتبتسم إسبيرانثا وتقول
خلف هذه اللوحة لم نجد ذهبا فقط. وجدنا أنفسنا.
وكانت كل ليلة حين تغلق الباب وتطفئ المصباح الأخير تقف لحظة في الممر تستمع إلى سكون المكان.
لم يعد السكون مؤلما كما كان في تلك الليلة الأولى. صار سكونا مطمئنا يشبه حضنا واسعا.
كانت تشعر بطمأنينة عميقة.
لم يكن الكنز هو الذهب قط.
الكنز كان لحظة الاختيار.
حين كان بإمكانها أن تأخذ كل شيء واختارت أن تشارك.
حين لم يكن أحد يراقب واختارت الأمانة.
حين كان الخوف يهمس في أذنها أن تحتفظ بما وجدت فاختارت أن تفتح الباب.
وفي الجبل كما تثمر البذور الصالحة ولو بعد حين ظل الخير المزروع يتكاثر عاما بعد عام.
كبرت خوسيفينا وتعلمت أن تقرأ الرسالة القديمة بخط جدتها.
صارت هي الأخرى تساعد في إدارة البيت وتستقبل النساء الجدد بابتسامة هادئة.
ومع كل امرأة تعبر العتبة كان البيت يكبر من الداخل لا بالحجارة بل بالقصص.
حتى صار البيت شاهدا على حقيقة بسيطة لكنها عميقة بما يكفي لتغير مصائر
أعظم الكنوز ليست ما نملكه
بل ما نقرر أن نفعله به.
عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر
كاتب · EG
كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.