لوحه فنيه

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال


في الأسبوع الثاني عادت عيناها إلى اللوحة.
كانت معلقة على الجدار الخلفي. منظر طبيعي قديم تغطيه طبقات من الغبار وخيوط العنكبوت.
وعندما نظفتها لاحظت أمرا غريبا. لم يكن الإطار معلقا فحسب بل كان مثبتا بإحكام.
سحبته برفق فصر الطين.
ثم انفتح الجدار.


فجوة.
مخبأ.
ما وجدته إسبيرانثا خلف ذلك الجدار غير مصيرها إلى الأبد. لم يكن مالا فحسب بل كان قرارا سيضع روحها على المحك.
كانت يداها ترتجفان وهي تزيل الطين القديم المتحجر كأنها لا تنبش جدارا بل تنبش قدرا مدفونا منذ زمن بعيد.

كانت أنفاسها متقطعة وعرق بارد ينساب على عنقها رغم برد الجبل. كل ضربة خفيفة من أصابعها على التراب اليابس كانت تحدث صريرا خافتا كأن البيت نفسه يتنهد بعد صمت طويل.
في الداخل وجدت صرة ملفوفة في قماش باهت اللون متآكل الحواف تفوح منه رائحة زمن بعيد. أخرجتها ببطء وكأنها تخشى أن يتبدد كل شيء إن تحركت بعجلة.

تحتها كان صندوق خشبي صغير داكن اللون ممهور بقفل صدئ بالكاد بقي متماسكا.
فتحت الصرة أولا.

ثم الصندوق.
ثم ذهب.
عملات ثقيلة تتلألأ حتى في ضوء شحيح. حلي قديمة الطراز أساور قلادات خواتم. وأوراق مطوية بعناية حبرها باهت لكنه مقروء.
سقطت إسبيرانثا على ركبتيها.


لم تصل.
لم تصرخ.
لم تضحك.
اكتفت بالبكاء.
لم يكن بكاء دهشة فحسب ولا فرح مفاجئ بل بكاء امرأة حملت الخوف طويلا حتى أثقل قلبها ثم وضع أمامها فجأة طريق آخر واسع مخيف ومغري.
كانت الرسالة تشرح كل شيء.


كتبتها امرأة تدعى خوسيفينا كاراسكو. أرملة هي الأخرى. وحيدة هي الأخرى. تخبئ ما تبقى لديها من ذهب وأمل لزمن لم تدركه.
إن عثر أحد على هذا فليستخدمه بأمانة. الخير لا يدفن بل يشارك.

أعادت قراءة العبارة مرات عديدة.
ثم مرة أخرى.
ثم همست بها بصوت مسموع.
الخير لا يدفن بل يشارك.
تلك الكلمات لم تتركها تنام أياما. كانت ترافقها وهي تحمل الماء من الجدول وهي تجلس أمام الموقد الصغير وهي تحدق في النجوم.


كان بإمكانها أن ترحل.
أن تبيع كل شيء.
أن تنزل إلى المدينة تشتري بيتا آمنا تستقبل طفلتها في سرير نظيف بلا خوف من المطر أو الريح.
أن تعيش بلا حساب لكل قطعة خبز.
كانت تستطيع.
لكنها لم تفعل.
كانت كل مرة تمسك فيها قطعة ذهب تشعر بثقل في صدرها. ليس ثقل المعدن بل ثقل السؤال
لو كنت مكانها ماذا كنت تتمنين
بدأت تبحث.


نزلت إلى السوق بحذر تسأل عن اسم خوسيفينا كاراسكو. لم يكن الاسم مجهولا تماما. امرأة عاشت في الجبل قبل عقود. ماتت فجأة. لم يعرف لها ورثة يقيمون في البيت.
واصلت السؤال.
تنقلت بين سجلات قديمة في البلدية. طرقت أبوابا. سمعت قصصا مبتورة. حتى قادها خيط رفيع إلى اسم آخر كارمن مورينو.


حفيدة.
تعيش في أطراف المدينة.
حين وقفت كارمن أمام البيت ورأت اللوحة معلقة كما كانت في ذاكرة طفولتها لم تتمالك نفسها. دموعها انهمرت بصمت ثقيل.
جدتي لم تكف يوما عن الانتظار.

كان صوتها مزيجا من حنين وندم.
جلستا معا على الأرض. فتحت إسبيرانثا الصندوق أمامها.

وضعت كل شيء بين يديها قطعة قطعة.
لم تخف شيئا.
لم تساوم.
لم تبرر.
عانقتها كارمن بقوة صادقة.
أنت لم تجدي كنزا قالت بل حفظته.
اقترحت كارمن أن تأخذ كل شيء فهو حق عائلتها. لكن إسبيرانثا هزت رأسها.
لم يكتب في الرسالة اسم بعينه. كتب من يجده.
وتوقفت قليلا ثم أضافت
ولقد وجدناه معا.
قررتا أن يقتسماه. لا لأن الذهب يجزأ كما

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
عع

عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
289مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

يوم طلاقي1 روايات

يوم طلاقي1

يوم طلاقي ابويا حلف لطليقي وقاله بنتي هجوزها لاول حد يطلبها حتى لو كلب ، قام جارنا المجذوب…

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 5 دقائق
رجعت من مأموريه روايات

رجعت من مأموريه

رجعت من مأمورية قبل معادي ومن غير ما أقول لحد إني راجع، عشان أفاجئ مراتي. لكن أول ما فتحت …

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 22 دقائق