تجزأ الغنائم بل لأن العدالة تقتضي أن يعود الحق إلى أهله وأن يتحول ما خبئ خوفا إلى خير يتداول أملا.
نصف يعيد بعضا من إرث مفقود وذكرى لم تنصفها الأيام.
ونصف يفتح باب حياة جديدة لا تقوم على الصدفة بل على الاختيار.
لم يكن القرار سهلا ولم يكن سريعا. جلستا ساعات طويلة تتأملان الصندوق المفتوح بينهما.
كانت القطع الذهبية تلمع ببرودة كأنها لا تعبأ بما تحمله من مصائر. تحدثتا عن خوسيفينا عن وحدتها عن خوفها الذي دفعها إلى أن تخفي ما تملك خلف جدار. وتحدثتا عن الخوف نفسه الذي كان يمكن أن يدفع إسبيرانثا إلى أن تفعل الأمر ذاته.
لكن شيئا ما كان قد تغير.
لم تعد إسبيرانثا تلك المرأة التي وصلت إلى البيت بحقيبة كرتونية وقلب ممتلئ بالذعر. لقد وقفت أمام إغراء حقيقي وخرجت منه أخف روحا. وحين صافحت كارمن على الاتفاق شعرت بأن الجدار الذي انفتح في البيت قد انفتح أيضا في داخلها وأن شيئا كان مغلقا منذ وفاة رامون قد بدأ يتنفس.
في اليوم الذي ولدت فيه الطفلة كانت الريح تعصف خارج البيت بقوة تضرب الأبواب والنوافذ كأنها تختبر صمود المكان. كان الفجر يقترب ببطء شديد والسماء تميل إلى الرمادي الباهت.
كانت إسبيرانثا وحدها.
الألم كان عميقا متتابعا يسرق منها الأنفاس ويعيدها إليها بشق وعناء. لكنها لم تكن خائفة كما كانت من قبل. لم يكن في صدرها ذلك الفراغ الأسود الذي لازمها بعد موت رامون. كان هناك وجع نعم. لكن خلف الوجع كان يقين جديد أنها لن تكون وحدها كما كانت.
احتضنها البيت.
كأن الجدران التي شهدت انكسارها الأول ثم قرارها الصعب أرادت أن تشهد ولادة فصل آخر. الأرض التي نامت عليها باكية في أول ليلة صارت الآن سريرا للحياة.
ومع أول خيط من نور تسلل عبر النافذة جاء الصوت الصغير.
صرخة قصيرة ضعيفة ثم بكاء أوضح.
أمسكت إسبيرانثا طفلتها بيدين مرتجفتين ودموعها تختلط بضحكة لم تعرفها من قبل. لم تكن ضحكة انتصار ولا راحة كاملة بل ضحكة امتنان.
ستسمين خوسيفينا همست وهي تقبل جبينها لكي لا تنسي أبدا من أين جئت ولكي نتذكر دائما أن الخير حين يشارك يولد من جديد.
مرت الأعوام ببطء في بدايتها ثم أخذت تسرع كما تفعل السنوات حين تمتلئ بالحياة.
تحول البيت شيئا فشيئا.
لم يحدث ذلك دفعة واحدة. لم يصبح المكان جميلا بين ليلة وضحاها. بل كان التحول عملا يوميا صبرا ممتدا ويدين لا تتوقفان عن الإصلاح.
رممت الجدران بالطين والحجر.
استبدلت النوافذ بزجاج جديد يعكس ضوء الشمس.
صلح السقف حتى لم يعد المطر يتسلل إلى الداخل.
دهن الباب بلون دافئ فلم يعد يتدلى كتحذير بل صار يفتح كدعوة.
ومن خراب صار ملاذا.
ومن صمت ثقيل صار رجاء يسمع في الضحكات.
لم تستخدم إسبيرانثا نصيبها لتعيش في رفاه شخصي فحسب ولم تكتف بأن تؤمن مستقبل ابنتها. كانت تشعر أن الذهب الذي خرج من الجدار لا ينبغي أن يعود إلى جدار آخر مهما كان مختلفا.
بدأت تستقبل نساء وجدن أنفسهن في ظروف تشبه ما مرت به
أرامل لا يعرفن كيف يبدأن من جديد.
عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر
كاتب · EG
كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.