قمت وقفت، أخدت نسختي من الأوراق الرسمية والإقرارات، وحطيتها في شنطتي. الأستاذ فريد أخد التنازل عن المحضر وداه للمحامي بتاعهم عشان يخرج حماتي ومي من القسم. وقفت عند باب المكتب، وبصيت لأحمد وإبراهيم للمرة الأخيرة. قلت بصوت هادي وثابت:«أحمد... أنت خسرتني مش لأنك فقير أو لأن أهلك طماعين.
أنت خسرتني لأنك ما عرفتش تكون راجل يحمي بيته ويدافع عن الحق. بكرة لما ترجع لأمك وأخوك، ابقى خليهم ينفعوك ويجيبولك الحفيد اللي كانوا بيذلوني بيه.»ولفيت وشي ومشيت...بس القصة ما انتهتش عند المكتب...
لأن العاصفة الحقيقية كانت لسه بتبدأ في بيت حماتي، والمفاجأة الكبرى اللي كانت مستنياهم لما يرجعوا، هتغير كل الموازين!خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن أحمال الجبال الشايلها على كتفي اتزاحت دفعة واحدة. الهوا اللي دخل صدري كان أخيرًا نقي، طالع من بئر حرية واسترداد لكرامتي ولشرفي اللي حاولوا يمرغوه في التراب.
أحمد فضل قاعد على كرسيه في المكتب، حاطط وشه بين إيديه وبيعيط بحسرة مالهاش آخر، وإبراهيم أخوه خد أوراق التنازل وجري بيه على القسم عشان يلحق أمه ومي قبل ما يتحولوا للنيابة الرسمية.
خرجت حماتي ومي من القسم، بس الخروج ما كانش خروج منتصرين زي ما كانوا متخيلين في بداية اللعبة. كانوا مكسورين، وشهوم شاحبة، والفضيحة كانت ملت العمارة والشارع اللي ساكنين فيه. الجيران كلهم كانوا بيتهامسوا عليهم، والكل عرف إن الست اللي ادعوا إنها طردتهم، كانت شارية الشقة بفلوسها، وإن هما اللي حاولوا يسرقوها بالتزوير واستعراض القوة.
لما رجعوا على الشقة المفروشة القديمة اللي إبراهيم قاعد فيها، كانت المفاجأة الأولى في انتظارهم!إبراهيم دخل، وورا أمه ومي اللي كانت بتمشي بالعافية من التعب. أحمد ما رجعش معاهم، سابهم في الشارع وراح قعد في لوكاندة نجمة واحدة بالليل، ومش عايز يشوف وش حد فيهم. أول ما فتحوا باب الشقة، إبراهيم اتفاجئ بصاحب الشقة المفروشة واقف ومستنيهم ومعاه بواب العمارة!إبراهيم بضيق:«في إيه يا حاج؟ واصلين من القسم وتعبانين، خير؟»صاحب الشقة ببرود وقسوة:«خير يا أستاذ.
.. إيجار الشقة الشديد اللي كان الأستاذ أحمد دافعه شهر مقدم، هو جه ولغاه النهاردة الصبح وأخد باقي فلوسه، وقال إنكم ماليكمش مكان هنا من الساعة 12 الظهر. العفش ده بتاعي، والحراسة مستنية برة، اتفضلوا لموا حاجتكم واخرجوا برة الشقة!»حماتي صرخت بصوت مخنوق:«إيه؟
ابن البطمة يرمي أمه وأخوه في الشارع؟!»صاحب الشقة بص لها بقرف:«ابنك اللي بتقولي عليه ده، جه يبكي ودموعه على خده، وقال إنكم خربتم بيته وضيعتم مراته وأصيله. أنا ماليش دعوة بمشاكلكم، الشقة دي تلزمني فوراً لأن حجزها جه لناس تانين!
»انقلبت الشقة لمناحة حقيقية. مي قعدت على الأرض تعيط بجد، وإبراهيم كان بيجري زي المجنون يلم الهدوم في الشنط البلاستيك الكبيرة، وحماتي واقفة تضرب على صدورها وهي شايفه العز والشقة الفخمة اللي كانت فاكرة إنها استولت عليها بتضيع، وحتى السكن البسيط المفروش بيترموا منه في الشارع!
الكل اضطر يرجع للبيت القديم... البيت اللي حماتي كانت بتقول عليه "متعب ومقرف" وما ينفعش يعيشوا فيه. البيت كان مقفول من شهور، التراب مالي المكان، الحيطان مقشرة، والمية مقطوعة!قعدت حماتي على كنبة قديمة ومكسورة، وبصت لإبراهيم ومي وقالت بصوت مكسور ومذلول:«شوفوا حل.
.. كلموا أحمد، خليه يرجع!»إبراهيم طلع تليفونه وطلب أحمد... التليفون كان مغلق. أحمد غير خطه، وسافر نفس اليوم للمدينة اللي كنا بنشتغل فيها، رجع لشركته يدور على شغل أو يستقر في سكن العمال، بعد ما خسِر كل حاجة: مراته اللي كانت شايلها، وشقته الفخمة، وعيلته اللي اكتشف حقيقتهم بعد فوات الأوان. أما بالنسبة لي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.