أنا بس قولت نتأكد عشان الولد يطمن قبل ما يقوم من مكانه."نظراتها ازدادت برود وقالت: "الرحلة أصلها متأخرة، وما عندناش وقت نجادل في كل كرسي!"الراجل الأعمال اللي قاعد الناحية التانية بص للتذكرة وقال لها بالراحة: "بس هي مش التذكرة مكتوب فيها 2A فعلاً؟""يا فندم لو سمحت سيبني أقوم بشغلي!
""أنا سايبك تقوم بشغلك والله،" رد بوقار وهدوء، "بس الولد ماشياً مضبوط زي ما التذكرة مكتوب فيها بالظبط."الكلمة دي ما أحرجتش ماجدة ولا خليتها تهدى؛ بالعكس، زادتها إصرار وعناد! يمكن لأن التراجع قدام الكابينة كلها بالنسبة لها كان معناه كسر هيبتها وسلطتها.
وطت ناحية الولد ومدت إيدها تمسك دراع الشنطة."تعالى يلا يا حبيبي.. مش هنعطل أركوب الرحلة أكتر من كده."الولد قرب الشنطة لرجليه أكتر وقايل بضعف: "عشان خاطرك ما تاخديهاش! بابا عارف أنا قاعد فين!"وشه اصفر، وعينيه بدأت تلمع بالدموع، بس كان بيحاول بآخر طاقة عنده يمسك نفسه، كأنه معتقد إنه لو فضل مؤدب ومهذب، الكبار في الآخر هيسمعوه ويصدقوه!
ماجدة مدت إيدها تاني، والمرة دي مسكت كم السويتر بتاعه عند كوعه بصرامة.. هي ما زقتوش ولا أذته جسدياً، بس الحركة دي غيرت المشهد كله! الموضوع ما بقاش مجرد ظن خاطئ منها؛
الموضوع بقى هل رغبتها في إثبات رأيها أهم من خوف الطفل الواضح ده؟!الولد اتكمش ناحية الشباك، ومزنوق بين حيطة الطيارة وإيدها، وصرخ وهو بيبكي: "لا يا طنط أرجوكي! بابا قال لي خليك هنا ما تتحركش!"في اللحظة دي، وقفت على حيلي وقلت بصوت حاسم هز الكابينة: "سيبي كم الولد فوراً!
"
الكابينة كلها كانت مشدودة، والصمت بيننا بقى أتقل من برودة المطر اللي بره. صوتي لما قال "سيبي كم الولد فوراً" كان طالع بثبات وبنبرة هزت الممر كله. ماجدة سابت كم الولد بسرعة كأنها اتلسعت، والتفتت لي وعيونها مليانة غضب واستنكار إن حد يكسر كلامها قدام الركاب.
مسكت نفسي، وطلعت كارنيه الشغل الخاص بيا من الشنطة من غير ما أعمل شوشرة، وبصيت لها في عينها مباشرة وقولت بصوت واطي بس صارم ومحسوب: "أنا شغالـة في خدمة المسافرين بـ مطار القاهرة، وعارفة القواعد كويسة جداً.. ممنوع لمس أي مسافر بالمنظر ده، وخصوصاً لو طفل.. والموقف ده مش محتاج قسوة، محتاج تفهم."ماجدة لسه كانت هتفتح بؤها وترد عليّ عشان تدافع عن هيبتها، لما الستارة اللي بين كابينة رجال الأعمال ومطبخ الطائرة اتفتحت بسرعة.
دخلت "نورهان".. مضيفة ثانية من الطاقم، أصغر سناً ووشها باين عليه الطيبة والهدوء. كانت شايلة في إيدها التابلت الخاص ببيانات ركاب الطائرة، ووشها كان أصفر زي الليمونة وأيديها بترتعش وهي ماسكة الجهاز!أول ما نورهان شافت الموقف، قربت بخطوات سريعة وقالت بصوت ملهوف ومخنوق: "كابتن ماجدة.. تعالَي ثواني لو سمحتي! مراجعة بيانات الحجز للكرسي 2A نزل عليها تنبيه عاجل جداً من كاونتر المطار بره!
"ماجدة بصت لها بقلة صبر وقالت: "تنبيه إيه يا نورهان؟ الولد قاعد لوحده والتذكرة طالعة باسم..."قاطعتها نورهان ونبرة صوتها اتغيرت تماماً، وعينها بدأت تدمع وهي بتبص لشاشة التابلت: "مافيش أي غلطة يا ماجدة.. الكرسي 2A مدفوع بالكامل باسم الطفل 'عمر'.
. والطلب ده متأكد ومعمول عليه إشارة خاصة جداً من مدير المطار نفسه!"هنا بدأت المفاجأة الأولى تظهر..نورهان بصت للولد بنظرة مليانة رحمة وشفقة، وبعدين قرأت الملاحظة الشخصية المكتوبة في بيانات الحجز بصوت خفيض بيترعش:"الراكب طفل عنده ٦ سنين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.