وأنا راجع الشارع، قابلت عم حاج متولي، راجل بركة وكان صاحب أصل وصديق أبويا الله يرحمه. —حازم! كويس إن شفتك يا بني.. هو أنت بجد وافقت تبيع حتة الأرض بتاعة أباك اللي جنب المجمع؟ وقفت مكاني. —أرض إيه يا عم متولي؟! أبويا قبل ما يموت كان مأكد عليا إن القيراطين دول ما يتباعوش أبداً.
طلعت جري على الشهر العقاري، ولما راجعت الأوراق، اكتشفت إن أمي بايعة الأرض بعقد مبيوع من 3 أيام بس! والمبلغ اللي خدته هو هو نفس المبلغ اللي يسد دين أمنية بالمليم! ساعتها الصورة كملت في دماغي. هم ما كانوش بس عايزين يلبسوا ياسمين المصيبة.. هم كانوا عايزين يبيعوا أرض أبويا ويدبسوا ياسمين في الدين، فيبان إن الأرض اتباعت عشان يلموا قرف مراتي!
بكده أمنية تطلع منها زي الشعرة من العجين، وأمي تطلع الست الحنينة اللي ضحت بأرض جوزها عشان تنقذ البيت، وياسمين تترمي برة ملبسة العار والخراب. رجعت البيت العصر من غير ما أنطق بحرف. جمعتهم التلاتة في الصالة. حطيت الأجندة على الترابيزة.. وبعدها صور إيصالات الأمانة.. وبعدها طلعت التليفون. —يا أمي.. يا أمنية.. الليلة دي لازم نتكلم.
وش أمنية جاب ألوان واصفرت. أنا لسه ما شغلتش الفيديو.. وما كانوش يعرفوا إن في خلال دقايق، كل الغزل اللي غزلتوه في شهور هيتقطع على دماغهم قدام ياسمين. PARTE 3 الصمت في الصالة كان يقطع بالموس. أمي كانت قاعدة بتبصلي بثقة زائفة، حاطة إيد على إيد، بينما أمنية كانت عينيها بتتطوح بين الأوراق اللي على الترابيزة وشاشة تليفوني.
ياسمين كانت واقفة عند باب المطبخ، لفّة شال قديم على رأسها عشان تداري آثار الحلاقة والجروح، وبتبصلي بعيون متلهمة مش عارفة إيه اللي جاي. —إيه الورق ده يا حازم؟ —أمي بدأت الكلام بلهجة هجومية—. أنت جايب هبل وتخاريف المكسورة دي وجاي تحاسبنا بيه؟ بدل ما ترميها برة الشارع وتقطع لسانها؟! مسكت التليفون وفتحت الفيديو من غير ولا كلمة.
صوت أمنية وهي بتبكي قدام بتوع الفلوس ملأ الصالة: “ادوني مهلة بس، أخويا ظابط في الجيش وهيرجع يسد!” وبعدها صوت أمي الواضح: “مرات ابني هي اللي تسد، إنما بنتي محدش يلمس منها شعرية!” وش أمي اتخطف. أمنية قامت وقفت فجأة وجسمها كله بيموت من الرعب. —ده.. ده فبركة! —أمنية صرخت بصوت مهزوز—. الفيديو ده متفبرك يا حازم!
والله الكلب ده بيكدب عليك! قمت من مكاني بشويش. القوة اللي جوايا ما كانتش غضب أعمى، كانت غضب ظابط فاهم هو بيعمل إيه كويس. مسكت صور إيصالات الأمانة ورميتها في وش أمنية. —إيصالات الأمانة دي باسم مين يا هانم؟ باسم ياسمين اللي ضربتوها وهنتوها وهتكتوا عرضها قدام أهل البلد؟ ولا باسمك أنتِ يا اللي لابسة دهب وبتركبي وتخرجي على حساب دم قلبي وكرامة مراتي؟
! —حازم يا بني استهدى بالله.. —أمي حاولت تتراجع وتلعب دور الأم المغدورة—. أختك كانت هتتحبس! كنا هنعمل إيه يعني؟ كان لازم نتصرف لحد ما ترجع! —تقوموا تزقوا ياسمين لبتوع الفلوس؟ —صوتي هز جدران البيت—. تقوموا تخلوا أوباش يضربوها ويقصوا شعرها ويشوهوها؟ وتقولوا للبلد كلها إنها ماشية مع الكهربائي عشان تغطوا على قرف بنتك؟! —هي.. هي اللي وافقت!
—أمنية صرخت وهي بتبكي بكاء هستيري—. هي اللي قالت هتقف في وشهم عشان تحميني! ياسمين طلعت صوت لأول مرة، صوت مبحوح وطالع من بين الدموع: —حرام عليكِ يا أمنية.. اتقي ربنا! أنا كنت بطلع من قوت يومي وأديكي عشان تباني قدام صحابك، وفي الآخر تبيعيني لبتوع الفلوس وتهدوا بيتي؟ بصيت لأمي وكملت بصوت أبرد من الثلج: —والأرض؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.