عينه كانت متورمة والزرقان باين، بس النظرة اللي كانت في عينيه اتغيرت.. الخوف والكسرة اللي كانوا موجودين أول ما دخلت القسم اتبخروا، وحل محلهم نظرة فخر وأمان. ”قوم يا سيف،” قولتله بصوت حنين بس قاسي في نفس الوقت. “يلا عشان نروح لأمك.. زمانها بتاكل في نفسها من القلق.”روايات مشيره محمد سيف وقف بسرعة، مسك في إيدي وقالي بصوت مكتوم: “شكراً يا بابا.
.” بصلت له وابتسمت ابتسامة صغيرة: “إنت ابن عميد يا سيف.. ما تطأطئش رأسك أبداً، ولا تخاف من حد طول ما أنا عايش على وش الأرض.” مشينا ناحية الباب الخارجي للقسم. وأنا معدي من جنب عصام اللي كان واقف زي الخيال جنب السلاحليك، وقفت ثانية واحدة، وقربت منه وقولت له بصوت واطي بحيث محدش يسمعه غيره: “بكرة الصبح الساعة 10 هتبعتلي ورقة الطلاق والتنازلات مع المحامي بتاعك.
لو الساعة جت 10 وورقة واحدة ناقصة.. الباقي إنت عارفه كويس.” عصام هز رأسه بسرعة من غير ما ينطق، وبص في الأرض. خرجنا من بوابة القسم.. الهوا الساقع والمطر كان بيلطش في وشنا. المطر كان لسه نازل، بس النار اللي كانت بتغلي جوايا انطفت تماماً. فتحت باب العربية الميري لسيف، قعدته وركبت جنبه على الكرسي القدامي. دورت العربية، وشغلت التكييف الدافي. سيف بصلي وقال: “بابا.
. هو إنت فعلاً كنت هتضربه في الأوضة؟” بصلت له وأنا بمسك الدركسيون وبطلع بالعربية في الشارع الفاضي: “أنا مش محتاج أضرب يا سيف.. الراجل بياخد حقه بدماغه وبالقانون، والضرب ده وسيلة العاجز اللي ما عندوش حيلة. عصام انتهى خلاص من حياتنا، ومن بكرة إنت وأمك هترجعوا في حمايتي وفي شقتكم المكرمين فيها.” سيف سكت وابتسم، وسند رأسه على شباك العربية وهو بيبص للمطر اللي نازل على الإزاز.
العربية كانت بتجري في شوارع إسكندرية الفاضية، وإضاءة أعمدة النور كانت بتنعكس على المطر. الأزمة كانت صعبة، واللحظة كانت تقيلة، بس في الليلة دي، ابني اتعلم درس مش هينساه طول عمره.. اتعلم إن الظلم مهما كان لابس بدلة شيك ومعاه فلوس، بيقع وينهار قدام الحق والظهر القوي. وأن الأب مش مجرد اسم في شهادة الميلاد.. الأب هو السند والدرع اللي بيقف بينك وبين العالم لما الدنيا كلها تقلب عليك. تمت. روايات مشيره محمد
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.