وهو كان في الوقت ده، عايش حياته بعيد عني، وبيشتري لواحدة تانية هدوم ويمسك إيدها قدام الناس. نزلت عيني للأرض، وحاولت أمنع دموعي، لكن واحدة منهم نزلت غصب عني. ولأول مرة، ما كنتش موجوعة من إنه تجاهلني… كنت موجوعة لأني فهمت أخيرًا إن تجاهله كان مقصود. وأنا واقفة بعيد عن المحل، بحاول ألمّ نفسي وأمسح دموعي قبل ما حد ياخد باله مني، رفعت عيني بالصدفة ناحية الزجاج.
لقيته بيبص ناحيتي. اتجمدت مكاني. لأول مرة من وقت ما اتطلقنا، عينيه جت في عيني مباشرة. ظهرت على وشِه ابتسامة غريبة.. ابتسامة كلها استخفاف وبرود. مش بس كده.. ده مال برقبته وهمس للست اللي معاه، وشاور عليّ بإيده بوضوح، وكأنه بيعرفها عليا، أو يمكن بيمهد لها فقرة من السخرية. ضحكوا الاتنين مع بعض بصوت هادئ وصل لإذني كأنه صفعة، لقيته ساب إيدها، وبخطوات واثقة ومستفزة، بدأ يقرب مني..
وهي ماشية جنبه بدلع وتحدي واضح في عيونها. قربوا لحد ما بقوا قدامي بالظبط، والريحة الباردة للاستعراض كانت مالية الهوا حواليهم. بص لي بنظرة فوقية وقال بصوت مسموع جارح: -“خير يا أميرة؟ هتفضلى تلفى ورايا كده كتير ؟؟ تعبتى من واقفه البكونه وانتى بتراقبينى ونفسك فى نظره وغيرتى لانك تنزلى الشارع وقت رجوعى يمكن احن عليكى بنظره ودلوقتي الموضوع اتطور وبقيتى تمشى ورايا فاكره انى هرجع اكلمك او ابصلك حتى ؟
؟ وقتها كنت زى الخرصه مش قادره اتكلم او ادافع عن نفسى يعمى هو كان واخد باله من كل حاجه من الاول بس اللى حصل بعد كده فضل واقف قدامي، وعيونه بتلمع بشماتة مفيهاش أي ريحة للإنسانية، والست اللي جنبه بتبص لي بنظرة كلها استعلاء وتكبر، كأنها بتنتصر في معركة أنا أساساً ما كنتش اعرف إني طرف فيها. اللسان اتقفل.. الحروف هربت من بقي.
. وكل الجمل اللي كنت بترجمها جوايا عشان أدافع بيها عن كرامتي اختفت في زحمة القهر والخذلان. حسيت إن لساني بقى مربوط بحبال من حديد، وإن أي كلمة هقولها هتزود من موقف ضعفي قدامهم. بصيت له نظرة طويلة.. نظرة جمعت فيها كل وجع السنين، وكل خيبة أمل دقت باب قلبي.. نظرة كانت بتقول له: “خلصت.. مابقاش في كلام يتقال بعد اللي عملته.
” بدل ما أنزل لمستواهم وأرد على سخريتهم، أو أنطق بكلمة تخليهم يفرحوا بكسرتي أكتر، أخدت نفسي ببطء، ورفعت راسي لفوق بكل ما تبقى لي من كبرياء مجروح. لفيت ضهري عنهم، وبدأت أتحرك بخطوات تابثة ومشيت.. سيبتهم واقفين مكانهم بالضحكات الساخرة اللي كانت بتتردد ورايا في الممر، لكن قلبي كان بيقرر في اللحظة دي حاجة واحدة بس: المذلة انتهت، والتعلق بميت خلص بلا رجعة.
ركبت العربية وأنا ساكتة، وأول ما الباب اتقفل وبعدت عن عيونهم، انفجرت في عياط طويل.. عياط بيغسل كل ذرة حب قديم، وكل دمعة رخصت نفسي عشانها، عشان أقوم تاني أقوى، وأعرف إن اللي يبيعك ببرود، خسارته هي أصلًا مكسب كبير لروحتك وكرامتك. رجعت البيت.. ودخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا كويس، كأني بحصن نفسي من برة العالم كله. قعدت على السرير، وبصيت في المراية اللي كنت واقفة قدامها ساعات طويلة أزبط شعري وأستنى رضاهم..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.