شقتي حكايات روماني مكرم 1

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

“مي شبهه هو يا بابا… مش شبهك. بص لوشها كويس لما تشوفها المرة الجاية. بص لعينيها الملونة اللي مش عند حد في عيلتك ولا عيلة أمي. بص لطريقتها وطبعها… أنت طول عمرك عارف، بس كنت بتهرب، كنت بتغمض عينيك وتدلعها هي بالذات عشان تقنع نفسك إنك أب، وعشان تهرب من الشك اللي كان بياكلك من جوة.

” وقف بالعافية، كأنه كبر في اللحظة دي عشرين سنة. وش أصفر زي الموتى، ونظرة العين اللي كانت مالية المكان أوامر بقت مكسورة، ضايعة في الفراغ. بص لأوضة النوم، بعدين للمكتب، بعدين للبلكونة اللي كانت الشمس بدأت تغيب عنها وتلم نورها. “أنا ما كرهتش مي…” كملت بهدوء أصعب من العياط: “… أنا حميتها. وسكت عشان تعيش مستورة. بس لحد هنا وبس.

لحد ما تيجي تحت سقف تعبي، سقف السنين اللي أكلت فيها عيش حاف ونمت على الأرض عشان أعمل لنفسي كيان، وتقولي اطلع برة واديلها مفتاح حياتك… لا. الشقة دي شقتي أنا، عرق سنيني أنا، ومحدش هيحط رجله فيها إلا لو كان يستاهل يشاركني تعبي.” قرب من الباب بخطوات تقيلة، إيده كانت بتترعش وهو بيمسك أكرة باب الشقة برة.

قبل ما يفتح الباب، التفت لي بصة مكسورة، بصة راجل اكتشف في ثانية إن بيته اللي بناه طول عمره كان مبني على رمل، وإن الابن اللي كان فاكره “حديد يستحمل” هو الوحيد اللي كان شايل عنه الحقيقة اللي تكسر ضهره. “هتقولها؟” سألني بصوت ضايع، صوت راجل خايف من أخته مش مني.

رديت عليه وأنا بقفل سستة الجاكيت بتاعي وبشاور له على الباب: “أنا ما بقولش حاجة لحد يا بابا… السكوت كان اختياري زمان عشان أحميها، ودلوقتي الصراحة هي اختياري عشان أحمي نفسي. الشقة دي مقفولة بالمفتاح ده… وما حدش هيفتحها غيري.” خرج وساب الباب مفتوح وراه، وصوت خطواته التقيلة على السلم كان يرن في العمارة الهادية.

وقفت في نص الريسبشن تاني، بس المرة دي ما حسيتش إن المساحة كبيرة عليّ… حسيت لأول مرة إن الهوا اللي داخل من البلكونة، بقى بتاعي أنا وبس. مرت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام كانت الشقة فيها عبارة عن صومعة هادية زيادة عن اللزوم، الصوت الوحيد فيها هو صوت حركتي الخفيفة ورنة التليفون اللي ما سكتتش. اسم “مي” كان بينور على شاشة الموبايل كل نص ساعة.

ما ردتش. ولا مرة. كنت عارف إن القنبلة اللي انفجرت في وش أبويا، شظاياها بدأت تطول البيت كله. في اليوم الرابع، الساعة كانت ستة المغرب، الشارع تحت يبدأ يهدى والنور الأصفر بتاع العواميد ينور. سمعت خبط على الباب. مش خبطة أبويا الثقيلة المترددة بتاعة المرة اللي فاتت، ولا خبطة بواب العمارة… كانت خبطة متسارعة، فيها غضب متداري ورا قلة صبر.

فتحت الباب. كانت واقفة، وشها أحمر من كتر الطلوع على السلم، ماسكة شنطة إيدها بضغط كأنها تحفة عاج خايفة تقع، ووراها “حسام” جوزها، واقف بقلة حيلة وبيهز رجله بعصبية. “أنت مبتنزلش ليه؟ ولا بترد على التليفونات ليه يا أستاذ؟” قالتها وهي بتزق الباب بكتفها وبتدخل الريسبشن من غير ما تستأذن، عينها طافت بالمكان في ثانية، ونفس اللمعة الطماعة اللي كانت في عين أبويا ظهرت في عينها، بس المرة دي كانت متغلفة بتبجح أكبر.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
عع

عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
289مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

يوم طلاقي1 روايات

يوم طلاقي1

يوم طلاقي ابويا حلف لطليقي وقاله بنتي هجوزها لاول حد يطلبها حتى لو كلب ، قام جارنا المجذوب…

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 5 دقائق
رجعت من مأموريه روايات

رجعت من مأموريه

رجعت من مأمورية قبل معادي ومن غير ما أقول لحد إني راجع، عشان أفاجئ مراتي. لكن أول ما فتحت …

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 22 دقائق