دادة إيه؟ أمي عمرها ما اشتغلت خدامة عند حد! أمي كانت مدرسة.. إنت أكيد غلطان.. أكيد في شبه!” مراد خبط بإيده على المكتب بعصبية خلت نور ترجع خطوة لورا بخوف، وصرخ بصوت مكتوم مليان وجع سنين: “أنا عمري ما أنسى ملامحها! الست دي عاشت في قصر الألفي ١٥ سنة.. كانت هي اللي بتأكلني وتنيمني.
. كانت بتخبيني في حـ,ـضنها لما أبويا كان بيضـ,ـربني ويعاقبني في الضلمة! وفي ليلة.. رجعت ملقيتهاش.. طردوها في عز المطر في الشارع ورموها بره كأنها حتة قماشة قديمة.. قلبت عليها الدنيا سنين، كأن الأرض انشقت وبلعتها!” نور دموعها نزلت كأنها شلال، افتكرت كلام أمها زمان، افتكرت حزنها اللي كان بياكل في قلبها.. صوتها طلع مخنوق ومكسور: “طردوها؟
أمي كانت دايما بتقول إنها سابت حتة من قلبها في مكان مبتقدرش ترجعله.. أمي عاشت مريضة بالقلب.. وماتت وهي بتوصيني على حنين وهي بتنزف بين إيديا.” مراد غمض عينيه بقوة، حس كأن خنجر انغرس في قلبه. “ماتت؟” قالها بهمس كأنه بيكلم نفسه. أخد نفس عميق، ملامحه رجعت لصرامتها بس عينيه كانت مليانة نار. مسك القلم الذهبي بسرعة ومضى على الدوسيه، وختمه بختم الشركة، ومسك تليفونه الداخلي: ”أكرم!!
الحقنة الخاصة بحالة الطفلة حنين تتجهز فوراً وتتحط في تلاجة الحفظ وتستناني تحت عند عربيتي.. في أقل من دقيقة لو مكنتش جاهزة هتكون مطرود!” قفل السكة وبص لنور اللي كانت بتبصله بذهول وصدمة، كأنها في حلم: “يلا بينا.” نور بلعت ريقها: “على فين؟” مراد وهو بياخد مفاتيحه وبيلبس الجاكيت بتاعه بسرعة: “على المستشفى اللي فيها حنين.
. أختك مش هتاخد الحقنة دي وبس، أختك هتتنقل حالا لمستشفى الألفي التخصصي.” وقبل ما نور تنطق بكلمة، تليفونها القديم اللي شاشته مكسورة رن. بصت في الشاشة، ووشها اتخطف، الدم هرب من عروقها تماماً. “ألو.. أيوة يا دكتور؟”ثواني مرت كأنها سنين، نور صرخت صرخة قطعت قلب مراد: “إيه؟! لا والنبي يا دكتور متسيبوهاش.. أنا جاية في الطريق والدوا معايا.
. أبوس إيدك حطوها على الأجهزة لحد ما أوصل!” التليفون وقع من إيدها، وركابها سابت كانت هتقع على الأرض لولا إيد مراد القوية اللي مسكتها في اللحظة الأخيرة. بقلم الكاتبه ميمو صلاح نور مسكت في ياقة قميصه بانهيار، بتبكي وتترجاه كأنه ربنا في الأرض: “حنين بتمـ,ـوت.. بيقولي النبض بيقف.. والنبي يا مراد بيه والنبي متخليهاش تروح مني!” مراد شدها من إيدها بقوة، صوته كان صارم وحاسم: “مش هتمـ,ـوت يا نور.
. بنت زينب مش هتمـ,ـوت طول ما أنا بتنفس.. امشي معايا!” في أقل من ربع ساعة، كانت عربية مراد الألفي السودا الفخمة بتكسر قواعد المرور كلها، بتسابق الزمن. وصلوا قدام مستشفى حكومي زحمة جداً، ريحة المطهرات واليأس مالية المكان. مراد دخل زي الإعصار، هيبته خلت الممرضين والدكاترة يوسعوا السكة وهما مبهوتين. نور بتجري قدامه لحد ما وصلوا للعناية المركزة.
دكتور صغير خرج وشكله يائس: “يا أستاذة نور إحنا عملنا اللي علينا، البنت قلبها وقف ورجعناه بصدمات الكهربا بس..” مراد مقاطعاً بصوت هز طرقات المستشفى، وعينيه بتطلع شرار: “فين مدير الزفت دي؟ الحقنة دي تتاخد للبنت دي حالا، وعربية إسعاف مجهزة من عندكم تقف على الباب في خلال خمس دقايق تنقلها لمستشفى الألفي، وأي تأخير هقفلكم المستشفى دي فوق دماغكم!
” الدكتور اتنفض من مكانه لما شاف شكل مراد وقرأ الاسم على الكارنيه اللي رماه في وشه. الدكاترة اتلموا، الحقنة اتجهزت واتعطت لحنين اللي كانت نايمة بين الأجهزة كأنها ملاك صغير وشها شاحب زي المـ,ـوتى. بعد ساعتين.. في جناح VIP في مستشفى الألفي التخصصي. الهدوء رجع، حنين كانت نايمة على سرير فخم، الأجهزة مستقرة، ولونها بدأ يرجع لطبيعته. نور كانت قاعدة على الكرسي جنبها، ماسكة إيدها الصغيرة وبتبوسها ودموعها بتنزل بصمت.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.