بعد أيام قليلة، كانت الشؤون القانونية في الشؤون الإدارية بالشركة الجديدة للزوج بتستلم إخطاراً رسمياً من المحكمة، ومعاه مندوب التفتيش والاستعلام عن الدخل والرواتب بناءً على دعوى نفقة وصغار مرفوعة ضد الموظف الجديد. في وسط صالة المكتب الكبيرة وأمام زمايله ومديرينه الجداد اللي كان لسه عاملهم عزومة ومبين نفسه قصادهم بالواجهة الشيك والمركز المرموق، دخل الموظف المختص وندى عليه باسمه الثلاثي عشان يبلغه بإعلان النفقة وأمر الاستعلام عن مرتبه ومكافآته.
الدم اتجمد في عروق الزوج، وشّه اصفرّ وبقى مش عارف يداري خيبته فين، خصوصاً لما المدير الإقليمي استدعاه لمكتبه واستفسر منه بجدية عن القضايا دي وعن الصورة اللي بيصدّرها للشركة. في نفس اليوم بالليل، رن تليفون الحماه في البيت، وكان صوت ابنها طالع زى الرعد من الغيظ والرعب: — “الحقيني يا أمي! دي رفعت عليا ق\ضية نفقة واستعلام على مرتب الشركة الجديدة، وشوهت صورتي قدام مديري وزمايلي! وعرفت عنواني ومكان شغلي بالمليم.
. هي عرفت منين واستدلت عليا إزاي؟!” الحمات لطمت على صدـ,,ـــرها والذهول أكل قلبها، وبصت ناحية شقة مراته تحت.. شافت النور طالع منها، وصوت الضحك الشريف والستر مالي المكان، وأصوات الأطباق والعلب شغالين بخطى ثابتة ومستقرة. أدركت الحماه في اللحظة دي إن الست اللي كانت فاكراها مكسورة وتتمنى لقمة أو سقف يسترها، ما بقتش هي نفس الست.. وإن السكوت اللي فات ما كانش ضعف ولا عجز، كان هدوء ما قبل العاصفة.
طلعت الحمات السلم وخطواتها بتهز العمارة من الغل، ضــ,,ـــــربت باب الشقة ب إيدها برعب وغضب وهي بتصرخ بصوت عالي: — “افتحي يا فاجرة! بقى تروحي تعملي محضر وقضبه وتجيبي المحاضر لشغله وتفضحيه قدام ناسه ومديرينه؟! إنتي ناسية إني اوياكى أنتِ وعيالك تحت سقف بيتي ولا إيه؟!” فتحت الزوجة الباب بكل ثبات وهدوء. كانت واقفة ماسكة تلفونها في إيدها، وبصت لحماتها ببرود تام ثلج عينها، لا اترعشت ولا نزلت راسها للأرض زي كل مرة.
الحمات اتفاجأت بالنظرة، وسكتت لحظة من هول الثقة اللي في وشها، لكن كملت وهي بتهدد بإيدها: — “والله ما إنتي قاعدة في البيت ده دقيقة واحدة بعد النهاردة! لمي دربكتك وعيالك ويا الشارع يا ببت أبوكي، أما نشوف مين هيستحملك ولا يصرف عليكي!” الزوجة ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة حد عرف حقه وخد خطواته صح. قربت منها خطوة واحدة وقالت بنبرة واثقة وهادية هزت أركان السلم: — “الشارع ده تروحي أنتِ تدوري فيه على مكان.
. أنا خلاص اترفع لي قرار تمكين رسمي من مسكن الزوجية بالمحكمة يا حماتي، الشقة دي بقيت متمكنة منها بحكم القانون أنا وعيالي بصفتي أم وأولادي في حضانتي.. يعني مش أنتِ ولا ابنك اللي تقدروا تطلعوني منها ولا ترموا عيالي في الشارع.” الحمات برقت عيونها بذهول وشفايفها بدأت ترتعش من الصدمة: — “تمكين؟! أنتِ بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة؟!” كملت الزوجة كلامها وهي بتبص لها من فوق لتحت بنفس البرود، وشاورت بإيدها ناحية الباب: — “وبالمناسبة.
. شغلي وعلب الأكل اللي كنتِ بتاخديها طازة وعلى السوا كل يوم ببلاش بدعوى ‘الإيجار’؟ من النهاردة تنسيها خالص. من هنا ورايح تقفي تطبخي لنفسك أو تشتريه بفلوسك زي أي زبون من برة، وحق أكل عيالي ونفقتهم هتوصلني من مرتب ابنك في شركته بالمليم والمحكمة هي اللي بتحسبها.” مسكت مقبــ,,ـــــض الباب وبصت لحماتها بجمود وأخيرة: — “دلوقتي اتفضلي مع السلامة على شقتك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.