كان ينتظر هذه اللحظة بالضبط. أن أفقد أعصابي أمام المحكمة، فأبدو المرأة المضطربة التي رسمها في ملفه. أخذت نفسًا عميقًا وجلست مجددًا بصعوبة. ثم نظر القاضي نحو الطفلين الجالسين في الصف الأمامي. كان آدم وحمزة يرتديان قميصين متشابهين اشتراهما لهما والدهما خصيصًا لهذه الجلسة. حمزة كان يطأطئ رأسه ويضم يديه الصغيرتين بخوف. أما آدم فكان ينظر إلى الأرض بصمت غريب أخافني. قال القاضي بصوت هادئ يا آدم هل تهتم والدتك بك وبأخيك بشكل جيد؟
رفع آدم عينيه ببطء. ثم نظر سريعًا نحو والده. لاحظت توتره المفاجئ، والطريقة التي شبك بها أصابعه الصغيرة ببعضها. فسأله القاضي بلطف أكبر هل حدث شيء في البيت جعلك خائفًا مؤخرًا؟ ساد الصمت لثوانٍ طويلة. ثم قال آدم بصوت متردد أبي طلب منا أن نقول إن أمي تخيفنا أحيانًا حتى نبقى معه. اختفت ملامح الثقة عن وجه فراس للحظة قصيرة.
اعتدل القاضي في جلسته وقال بهدوء وهل هذا صحيح يا بني؟ هزّ آدم رأسه ببطء، ثم قال بصوت مرتجف أمي لا تخيفنا لكنها كانت تبكي كثيرًا بعد أن كان أبي يصرخ عليها. شعرت بأن أنفاسي توقفت. بينما تجمد فراس في مكانه. وأكمل آدم بصعوبة وكان يقول لنا إننا إذا لم نقل ذلك هنا فلن يسمح لنا برؤية أمي مرة أخرى.
بدأ حمزة بالبكاء بصوت خافت، وهو يمسك بطرف قميص أخيه. أما أنا فشعرت في تلك اللحظة أن شيئًا داخلي انكسر بالكامل. لأول مرة أدركت أن طفلَيّ لم يكونا مجرد شاهدين على ما حدث بيننا بل كانا يحملان الخوف نفسه الذي كنت أعيشه طوال الأشهر الماضية. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في كلام آدم بل في الشيء الذي قاله بعدها مباشرة، وهو ينظر إلى القاضي بعينين مرتجفتين وهناك شيء آخر فعله أبي وأمي لا تعرف عنه شيئًا حتى الآن.
وفي تلك اللحظة شحب وجه فراس بطريقة جعلت القاعة كلها تصمت. تبادل المحامون النظرات بسرعة، بينما اعتدل القاضي في جلسته ونظر إلى آدم باهتمام أكبر. حتى رنا، الجالسة خلف فراس بثيابها الأنيقة وملامحها الباردة، بدا التوتر واضحًا على وجهها لأول مرة منذ بداية الجلسة. قال القاضي بهدوء ما الذي تقصده يا آدم؟ ابتلع ابني ريقه بصعوبة.
ثم قال بصوت خافت كنت أرى أبي يعطي أمينة أشياء لتضعها في عصير أمي. تجمدتُ بالكامل. ونظرت نحو فراس ببطء لكنني لم أجد على وجهه سوى ذلك الشحوب الذي بدأ يزداد ثانية. قال المحامي بسرعة سيدي القاضي، الطفل صغير وقد يكون مرتبكًا لكن القاضي قاطعه بحزم دعه يُكمل. عاد آدم ينظر
إلى الأرض وهو يشبك أصابعه الصغيرة ببعضها. ثم قال كنت أراه يعطيها الحبوب أحيانًا في المطبخ ويقول لها ألا تخبر أمي. شعرت ببرودة تسري في أطرافي. وفجأة بدأت أشياء كثيرة تعود إلى رأسي دفعة واحدة. الدوخة المستمرة. النعاس الذي كان يهاجمني في منتصف النهار. ارتجاف يدي أحيانًا دون سبب. ثقل رأسي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.