” رجعت جوه القاعة، أول ما دخلت، النور اتسلط عليا، ويارا شافتني وابتسمت ابتسامة ردت فيا الروح. قربت منها، مسكت إيدها وبستها قدام كل الناس، وأبويا واقف بيصفق ودموع الفرحة في عينيه، وعبير أختي واقفة جنب يارا بتمسح دموعها وبترقص معاها بقلب صافي، كأن ربنا كان بيغسل كل الأوجاع القديمة وبيبدلها ببهجة حقيقية. الفرح خلص، وأخدت يارا وإياد ورجعنا شقتنا الجديدة.
يارا كانت طايرة من الفرحة، ولما دخلنا البيت، غيرت فستانها وحطت إياد في سر,,ـــــيره الصغير بعد ما نام. طلعت الصالة لقيتني قاعد مستنيها، قربت مني بخجل وهدوء، وقعدت جنبي على الكنبة. مسكت إيدي وقالت بصوت خافق مليان مشاعر: — “أنا لحد دلوقتي مش مصدقة يا… حاسة إني كنت عايشة في كابوس طويل وأنت جيت صحيتني منه. أنا أوقات بخاف أصحى ألاقي نفسي لسه مظلومة ومكسورة.
” سحبت إيدها وحطيتها بين إيديا، وبصيت في عينيها بثبات ودفء: — “أنتِ مش في كابوس يا يارا.. أنتِ في حمايا وفي قلبي. اللي فات مات واندفــ,,ـــــن، ومن النهاردة مفيش دموع تاني هتزل من عينك إلا دموع الفرح. أنتِ وإياد في أمانتي لحد آخر يوم في عمري.” يارا حطت رأسها على صدـ,,ـــري، وتنهدت تنهيدة طويلة طلعت فيها كل قهر السنين اللي فاتت.
مرت شهور، وحياتنا كانت هادية ومستقرة تماماً. يارا أثبتت إنها ست بيت ممتازة، وأم عظيمة، وكانت بتحب أبويا وعبير وتعتبرهم أهلها الحقيقيين. وعبير أختي تغيرت تماماً، بقت أقرب واحدة ليارا، وكانت بتيجي تقعد معاها وتساعدها في إياد، وكأن ربنا يعوضهم هما الاثنين عن الأيام الصعبة اللي فاتت. أما إياد.. فكان متعلق بيا بشكل طبيعي، وكان بيجري عليا أول ما أدخل من الباب ويقولي “بابا”، وكانت الكلمة دي بتطيرني في السما وتخليني أحس إن ربنا رزقني بيه.
في يوم، كنت راجع من الشغل بدري شوية، وكنت جايب معايا هدايا ليارا ولإياد. فتحت الباب بالمفتاح وبالمصادفة، سمعت يارا بتتكلم في التليفون في الصالون بصوت واطي ومشدود. وقفت عند الباب بالراحة، وسمعتها بتقول بنبرة فيها خوف وتوتر: — “أنت عايز إيه تاني؟ حرام عليك سيبنا في حالنا! أنا اتجوزت وراعية بيتي وجوزي بيمــ,,ـــــوت فيا وفي ابنك! أنت مالكش حاجة عندنا!” سمعت الصوت جاي من السماعة، كان صوت سامح!
بس المرة دي مكانش بيزعق أو بيهدد، كان صوته مكسور وبيعيط بانهيار: — “يا يارا افهميني.. أنا أتدمرت! المحل بتاعي اتفلس واتحجز عليه، والناس اللي كنت داخل معاهم مشاريع نصبوا عليا وأخدوا فلوسي! أنا بقيت في الشارع ومش حيلتي اللقمة! أنا عارف إني ظلــ,,ـــــمتك، بس وحياة إياد سامحيني وخلي جوزك يساعدني بحل أرجع بيه أعيش!” يارا كانت سكتة ومش عارفة تقول إيه، الصدمة كانت شاها.
دخلت الصالة بخطوات هادية، يارا أول ما شافتني اتخضت وقعدت تبصلي برعب وهي ماسكة التليفون. قربت منها بالراحة، ومديت إيدي وأخدت التليفون منها حطيته على السبيكر، وقلت بصوت هادي وحاسم: — “أهلاً يا سامح..” ساد الصمت على الناحية التانية من الخط للحظات، وكان كل اللي مسموع هو صوت أنفاس سامح. أخدت نفس عميق، وبصيت ليارا اللي كانت واقفة جنب الكنبة، إيديها بترتجف ودموع التوتر متجمعة في عينيها.
مسكت إيدها بالراحة، وضغطت عليها عشان أطمنها وأوصلها إحساس إنها في حمايا. خرج صوت سامح من السماعة، وكان صوت إنسان مهدوم، أكلته الأيام: — “أهلاً يا… أنا.. أنا مش بتصل أعمل مشاكل.. أنا اتزنقت زنقة المــ,,ـــــوت.. الدنيا دارت عليا وأخدت مني كل حاجة في لحظة. الديون ركبتني، والناس اللي استأمنتهم ونصبوا عليا أخدوا شقا عمري كله. أنا بقيت في وضع صعب يا… مش لاقي حق اللقمة ولا حق العلاج!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.