الضابط وقف في نص ممر المستشفى الضيق، ووراه عسكريين بينי وبينهم نظرات كلها حزم وتحفز. بص لنا كلنا وقال بصوت صارم:— "من فضلك يا مدام، ويا أستاذة خلود، محتاجين نتحفظ على باقي الأكل اللي كان في البيت، وفيه تقرير مبدئي من المعمل الجنائي بيقول إن السم اللي استُخدم مش متاح في أي مكان بسهولة، ده مبيد حشري شديد السمية ومحظور بيعه إلا بترخيص زراعي!
"أمي حطت إيدها على بوقها بذهول وقالت: "مبيد زراعي؟! طب وهي العجوزة جابته منين وهي من سنين ما بتخرجش من البيت؟!"الضابط كمل بجدية: "ده اللي هندور عليه.
. بس قبل ما نروح البيت، لازم نعرف مين كان قاعد في البيت مع الحاجة قبل وفاتها مباشرة، ومين ساعدها تدخل المطبخ."هنا، تقدم عمي الصغير—الجانب اللي نجى بإصابات خفيفة وبطنه اللي عملوا لها غسيل معدة—ووقف قدام الظابط وهو بيترعش وقال بصوت متهدج:— "يا باشا.. محدش ساعدها! وفاء وداليا وشهد كانوا بيحاولوا يساعدوها في العجين لأنها أصرت تعمل الحواوشي بإيديها كنوع من الاعتذار قبل ما تموت.
. محدش فينا كان يعرف إنها بتدبر لنا الموت! أمي كانت ست قاسية طول عمرها، بس ما توقعناش أبداً إنها توصل لدرجة إنها تقتل ولادها وبنات ولادها عشان خاطر إيه؟
عشان مفيش ولد في العيلة!"الضابط بص لعمي نظرة فاحصة وقال: "الاعتذار في آخر العمر مش مبرر لجريمة بالشكل ده.. وخصوصاً إن الكشف المبدئي على جثة العجوزة أثبت إنها هي كمان كلت من نفس الأكل عشان تموت معاهم، ده انتحار مع سبق الإصرار والترصد!"أنا كنت واقفة ساكتة، وعقلي شغال بألف سرعة.
افتكرت نظرة جدتي قبل ما أمشي، وافتكرت طريقتها وهي بتطلب من البنات يساعدوها.. بس فجأة، فلاش باك سريع جه في دماغي: لما بنات عمي دخلوا يجيبوا حاجات العجين من المخزن، جدتي فضلت واقفة لوحدها ثواني طويلة جنب شنطة قديمة كانت تحت ترابيزة المطبخ.
. شنطة قفلها قديم ومركونة من سنين!قبل ما أنطق بحرف، التليفون في جيب البالطو بتاعي رن.. بصيت في الشاشة، وكان رقم غريب مش متبسّط، بس من نفس البلد. رديت بسرعة وأنا حاسة بقلبي هيقف من التوتر، ولقيت صوت ست كبيرة غريبة بتقول لي بخفوت:— "يا بنتي.
. أنتِ حفيدة الحاجة فاطمة؟ الحقي افتحي الصندوق القديم اللي فوق دولاب أوضتها.. السر كله هناك، ومش هي دي الحكاية لوحدها!"وقبل ما أسألها مين وفين، الخط اتقطع!كلمات الست الغريبة في التليفون فضلت ترن في وداني: "الحقي افتحي الصندوق القديم اللي فوق دولاب أوضتها.
. السر كله هناك، ومش هي دي الحكاية لوحدها!"بصيت لأمي وللظابط اللي كان لسه بيحقق مع عمي، وقررت إني ما أستناش ثانية واحدة. من غير ما أتكلم، جريت وخرجت من المستشفى وركبت عربية أجرة على بيت العيلة القديم في البلد. طول الطريق، قلبي كان بيدق بعنف، وعقلي بيصرخ بأسئلة مالهاش أخر؛ إيه الصندوق ده؟ وليه جدتي عملت فينا كده؟ وهل فيه سر تاني غير كرهها للبنات؟!وصلت البيت، وفتحت الباب بالمفتاح الاحتياطي اللي كان مع أمي.
البيت كان ظالم ووحش، ريحة التراب والذكريات المؤلمة كانت مالية المكان. طلعت السلم بسرعة للوضة جدتي القديمة، ودخلت الأوضة اللي كانت ريحتها شبه محبوسة من سنين. رفعت عيوني فوق الدولاب الخشب الضخم، ولقيت صندوق قديم مربوط بحبل قماشي وعليه طبقة تراب كثيفة. اتسندت على الكرسي، وطلعت الصندوق بصعوبة، وحطيته على السرير.
إيديا كانت بترتعش وأنا بفك الحبل المربوط بإحكام، وفتحت غطاء الصندوق اللي طلع صوت خشخشة مزعج. أول ما النور دخل جواه، لقيت حاجات غريبة ومفزعة: * أوراق قديمة وخطت بخط إيد جدتي. * صور قديمة ممزقة لأبويا وعمامي وهما صغيرين. * ودفتر صغير جلده متهرئ، مكتوب على غلافه بخط عريض: «حكايتي الحقيقية.
. سر العار».فتحت الدفتر بسرعة وبدأت أقرأ الصفحات الأولى بعيون مطلوعة، والكلام اللي قريته خلاني أقع لوراء من الصدمة والذهول!جدتي لم تكن تكره البنات لمجرد فكرة الولد وبس.. الدفتر كان بيحكي عن سر خطير ومرعب جداً حصل من خمسين سنة، سر لو كان اتعرف، كان هيهدم العيلة من أساسها ويغير مفهومنا لكل اللي عشناه!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.