” قعدت على الكرسي المقابل ليه مباشرة، حطيت إيدي على الطاولة، وبصيتله بثبات: “بالعكس يا دكتور عبد المجيد.. التحقيقات هي اللي وضحتلي الصورة كاملة. والملف الـ ٢٠٠ مليون دولار الخاصة بشركات الأوفشور في جزر العذراء بقى جاهز تماماً للتقييم النهائي.” وجه الهواري اتغير فجأة، نبرة الثقة اختفت، وإيديه اللي كانت ماسكة القلم بدأت تترعش. حاول يتدارك الموقف ويزعق: “أنتِ بتتكلمي عن إيه يا مديرة؟
إيه الجنان ده؟ أنتِ اتجننتي عشان مسكتِ القطاع؟” قبل ما يكمل كلمته، أبواب القاعة الأبانوس الضخمة اتفتحت بقوة. دخل اللواء صلاح مع قوة من الأموال العامة ورجال الشرطة القضائية، ومعاهم المستشار النائب العام. اللواء صلاح تقدم بخطوات ثابتة ونزل الأغلال على الطاولة قدام عبد المجيد الهواري: “دكتور عبد المجيد الهواري.. أنت مقبوض عليك بتهمة قيادة تشكيل عصابي لغسيل الأموال، والتزوير في أوراق رسمية وبنكية، والاستيلاء على ٢٠٠ مليون دولار من أموال المودعين والهيئة.
” القاعة كلها هاجت، رؤساء القطاعات قاموا من أماكنهم بذهول وصدمة. الهواري قام ووشه أصفر زي جثة، وبصلي بغل ورعب: “أنتِ.. أنتِ اللي عملتي كدا؟ أنتِ بلغتِ؟” قمت وقفت، حطيت الكارنيه الذهبي الجديد بتاعي قدام عينيه على الطاولة، وقلتله بمنتهى البرود: “أنا تحذير المخاطر اللي أنت أهملته يا دكتور. أنت افتكرت إنك بتستغل ست مكسورة ومجروحة من جوزها وأهله عشان تخليها ساتر لعملياتك القذرة.
. مكنتش تعرف إن المديرة الإقليمية للائتمان بتمحي أي عميل خائن من الدفاتر.” الشرطة طوقته، وربطوا إيديه بالكلبشات وهو بيصرخ ويهدد، وسحبوه بره القاعة قدام كاميرات التلفزيون والصحافة اللي كانت واقفة بره بتغطي الحدث. وقفت عند الشباك الكبير المطل على القاهرة، والهدوء بيعم المكان. شريف وأمه وكاميليا وطارق والهواري.. كلهم بقوا ورا القضبان، الحسابات اتقفلت بالكامل، والعدالة خدت مجراها. تتنفس بعمق، وأنا حاسة إن الهوا أخيرًا بقى نقي.
لكن وأنا بلم شنطتي عشان أروح أخيرًا للبيت الجديد اللي أجرته بنفسي، تليفوني الأرضي على المكتب رن. صوت غريب برقم مشفر طالع من السماعة، صوت راجل بنبرة هادية ومرعبة أعمق بكثير من الهواري: “برافو يا نادين.. لعبتِ الدور بذكاء وشيلتِ الهواري وطارق وشريف من الطريق. بس أنتِ فاكرة إن الـ ٢٠٠ مليون دولار دول كانوا بتوع الهواري؟ الهواري كان مجرد الصراف بتاعنا.. والفلوس اللي اتحفظت عليها دي تلزمنا.
قدامك ٢٤ ساعة ترجعي الحركة المالية للبنك الدولي، وإلا السر اللي دفنتيه من ١٠ سنين في البنك القديم.. هيتنشر على كل شبكات الأخبار بكرة الصبح.” سكت لثواني والسماعة في إيدي، وصوت الأنفاس الهادية على الطرف التاني من الخط بتوصلني بمنتهى البرود. السر اللي اتكلم عنه.. سر من ١٠ سنين، لما كنت مجرد محللة مخاطر مبتدئة في بنك استثماري أجنبي، واكتشفت بالصدفة ثغرة برمجية اختلس منها رئيس القطاع وقتها ملايين، وساعتها أجبروني أوقع على تقرير حماية للبنك عشان التغطية على الفضيحة مقابل إني ما أترميش في الشارع ومستقبلي يتمرمر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.