” في اللحظة دي، سمعت صوت حماتي وهي داخلة المطبخ ورايا، وقفت عند الباب وكتفت إيديها وبصتلي بنبرة كلها أستاذية وقالت: “على فكرة يا بنتي، المواعين الكتير دي مش بتاعة الفطار بس.. في حلتين بتوع الصبح اغسليهم معاكي بالمرة، وعايزة المطبخ يتساب يفور، ما بحبش الشغل المتكروت.” الكلام نزل عليا زي الصدمة. هي مش بس بتخليني أساعد، هي بتتعامل معايا كأني شغالة أتينا بها خصوصي عشان تنضف مطرحهم ومطرح كسلهم!
تلفّتت ليها وقلت بنبرة هادية بس كانت محبوسة بالعافية: “بس يا طنط.. أنا ضيفة عندكوا النهاردة، ومجرد إن المطبخ مليان كده ده معناه إن بنتك أو حضرتك اللي كريس المواعين دي من الصبح، مش أنا.” حماتي حواجبها اترفعوا برفض وقالت بصوت أعلى شوية عشان يسمع اللي برة: “جرى إيه يا حلوة؟
هي أخت أحمد هتقوم تغسل مطرح ما أكلتي؟ وبعدين إحنا معندناش في بيت كورنبيش ضيوف يتعملهم بالشوكة والسكينة! اللي هتجوز ابني لازم تعرف إن بيت عيلته هو بيتها، واللي ما تشيلش حماتها في أول عزومة مش هتشيل ابنها بكرة!” أحمد سمع الصوت العالي، فقام وجاه المطبخ ببرود، وقف جنب أمه ونظرلي بغضب مكتوم وقال: “في إيه يا ببن؟
صوتكوا طالع ليه؟ اغسلي الكام حاجة دول وخلصينا بدل ما تصدعينا، مش قصة يعني!” بصيت لأحمد في عينيه، وكنت بحاول ألمح فيهم أي إحساس بالمسؤولية أو بالاحترام ليا قدام أهله، بس ملقتش غير استهتار ورغبة إنه يرضي أمه على حساب كرامتي. في اللحظة دي بالذات، حسيت إن الغشاوة اتسالت من على عيني. الجواز مش مجرد فستان وفرح، الجواز أصل واحترام ومودة، والبداية دي بتوريني النهاية شكلها إيه.
قفت حنفية المية بالراحة. نشفت إيدي في الفوطة اللي كانت جنبي. وبعدين مسكت الأطباق اللي كانت حماتي حطتهالي في إيدي، وحطيتها على الرخامة بهدوء تام من غير ما أكسر حاجة. أحمد بصلي باستغراب وقال: “أنتي بتعملي إيه؟” رديت وأنا ببتسم ابتسامة هادية جداً، بس كانت أتقل من أي كلام ممكن يتقال: “بعمل الصح يا أحمد.” مسكت شنطتي اللي كانت محطوطة على الكرسي في الصالة، وأخته كانت بتبصلي بذهول مش فاهمة أنا برتب لإيه.
حماتي خرجت ورايا المطبخ وهي بتقول بزعيق: “أنتي ماشية وتسيبيني بتكلم؟ أنت سايبها تتنطط علينا في بيتنا يا أحمد؟” أحمد مسك دراعي قبل ما أوصل للباب وقال بنبرة تهديد: “لو خرجتي من الباب ده دلوقتي يا هدى، اعتبري كل حاجة بينا انتهت!” وقفت عند الباب، وبصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، وبعدين بصيت في وش أمه وأخته اللي كانوا واقفين يتفرجوا.
قلعت دبلته من إيدي بالراحة خالص، ومسكت إيده وحطيت الدبلة في كفه، وقلت له بصوت ثابت مفيش فيه نقطة تردد: “اللي ما يحترمنيش وأنا ضيفة في بيته، مش هيحترمني وأنا شريكة حياته.. والدبلة دي ترجعلك، عشان بيتكوا محتاج شغالة، مش محتاج عروسة.” وقفت في الممر واللحظة كانت مشحونة بتوتر رهيب.
أحمد بص للدبلة اللي في كفه بذهول كأنه مش مصدق إن البنت الهادية اللي كانت قاعدة ساكتة طول اليوم هي نفسها اللي خلعت دبلته وحطتها في إيده بمنتهى الثبات. حماتي اتجننت من الموقف، وصوتها علي أكتر وهي بتزعق: “شايف؟ شايف الهانم بتعمل إيه؟ جاية تتنطط علينا في بيتنا وترمي دبلتك كأنك ولا حاجة! جرى إيه يا بنت إنتي؟ فاكرة نفسك مين عشان تعملي الحركة دي؟
” أخته قامت من على الكنبة وقربت من أمها، وبصتلي بغل وقالت: “والله كتر خير أخويا إنه كان مستحملك، دا أنتي صدقتِ نفسك قوي إنك عروسة بجد!” أنا ما ردتش على أخته ولا على أمه ولا كلمة. عيني كانت مثبتة على أحمد بس. كنت مستنية أصل العزوة، أصل الرجولة اللي المفروض تحمي الخطيبة وتصونها حتى لو في أزمتها، لكن أحمد وشّه احمرّ من الغضب، والظاهر إن كبرياءه اتجرح قدام أمه وأخته.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.