” شحب وجه مصطفى وسامح، وفي تلك اللحظة بالضبط دخل شريف المكتب مسرعاً وهو يقول بغضب: “يا توفيق بيه، الست دي جاية تعمل شو وتتبلى علينا، اطلعوا برة وإلا هطلب الأمن!” أنزل الأستاذ عبد الرؤوف إصبعه على زر التشغيل في اللابتوب.. وفجأة، ملأ صوت مصطفى وسامح وشريف أرجاء المكتب، يتردد بوضوح لا يدع مجالاً للشك، يكشف تفاصيل الفبركة، والبرامج المستخدمة لتزوير الصوت والصور، والرشوة البالغة 5000 جنيه للشهادة الزور!
اتسعت عينا المهندس توفيق بشدة، وتجمد في مكانك كأنما صدمته الحقيقة. سقطت الأوراق من يد مصطفى، بينما تراجع سامح للوراء وهو يرتجف. أما شريف، فقد اصفر وجهه تماماً وتغيرت ملامحه، وألجمت المفاجأة لسانه! التفت المهندس توفيق إلى شريف بنظرات حادة، ثم نظر إليّ وأنا أقف بأعين دامعة ولكن برأس مرفوع..
ساد الصمت الغرفة لخمس ثوانٍ كاملة كانت أطول من الشهر الذي قضيتها في القهر، قبل أن يقف المهندس توفيق من على كرسيه وبصوت هادئ وقوي، قال وهو يشير بإصبعه نحو شريف: “أنت… يطلع منك الخسة دي؟! بتفبرك صور وصوت لزميلتك؟! وتضحك عليا أنا وتخليني أظلم ست شريفة وأقطع عيشها وعيش بناتها الصغيرين؟
!” انفجر شريف متلعثماً والعرق يتصبب من وجهه: “يا… يا توفيق بيه، والله التسجيل ده متفبرك! هما اللي عايزين يوقعوا بينّا، الست دي متفقة مع مصطفى عشان…” “اخرس!” صاح المهندس توفيق بصلابة جعلت الموظفين المحتشدين برة المكتب على الزجاج يتهامسون. ثم التفت إلى مصطفى وسامح وقال لهما بصوت حازم: “وأنتم؟ تشهدوا زور وتخوضوا في عرض أختكم عشان فلوس؟
! مش هسيبكم، وحق الست دي هتاخدوه بالقانون!” اقترب الأستاذ عبد الرؤوف خطوات بثقة وقال بنبرة حاسمة: “المهندس توفيق، التزوير والشهادة الزور قضايا قانونية موكلتي مش بس هتاخد حقها الأدبي، دي هتتقدم ببلاغ رسمي للجهات المختصة خلال ساعات، إلا إذا…” سارع المهندس توفيق بقطع كلام المحامي وهو ينظر إليّ بنظرة ملؤها الندم: “حقها هيرجع كاملاً وزيادة من قبل ما تطلعوا من باب الشركة يا أستاذ!
أنا بعتذرلك يا نورا.. بعتذرلك من كل قلبي، أنا اتخدعت، وواجب عليا أصلح غلطتي فوراً.” التفت المهندس توفيق لسكرتيره وصاح فيه: “اطلب الأمن فوراً! واطلبلي مدير شؤون العاملين فوراً!” خلال دقائق، دخل ثلاثة من رجال الأمن وتم التحفظ على شريف ومصطفى وسامح، وبدأ مصطفى يبكي ويتوسل لي: “سامحيني يا أستاذة نورا.. والله شريف هو اللي ضللنا ووعدنا بالفلوس، أنا عندي عيال!” نظرُت إليه بجمود وقلت له: “وأنا كمان عندي بنتين صغيرين.
. النوم ما دخلش عينيهم ولا بيتي بسبب تصرفاتكم وشهادتكم الزور، والعدل لازم يأخذ مجراه.” وصل مدير شؤون العاملين، فأمره المهندس توفيق فوراً: “تكتب قرار حافز ومكافأة فورية للأستاذة نورا، ورد اعتبار مع ردها لعملها بترقية جديدة ومكتب منفصل، وإلغاء كل القرارات اللي اتسجلت ضدها. وتعمل إيميل عام لكل قطاعات الشركة وفروعها ينزل فيه اعتذار رسمي لها، وتكذيب صريح لكل الشائعات مع إعلان فصل المدعو شريف ومصطفى وسامح وتحويلهم للجهات المختصة بتهمة التزوير والشهادة الزور!
” في تلك اللحظة، شعرت برعشة تسري في جسدي، وركبتي لم تعد تحملاني.. جلست على أقرب كرسي وأنا أتنفس ببطء، وكأن جبالاً من الصخر كانت جاثمة على صدري ورئتي وقُدر لها أخيراً أن تزول. خرج المهندس توفيق بنفسه معي ومع الأستاذ عبد الرؤوف إلى الصالة الرئيسية أمام جميع الموظفين الذين كانوا يقفون في ذهول وصمت تام. وقف توفيق وصوته يتردد في الممر: “يا أساتذة..
الأستاذة نورا أنضف وأشرف من أي حد هنا، والناس اللي حاولوا يشوهوا سمعتها تم توقيفهم وهيرتحلوا للجهات الرسمية. أي حد هيتفوه بكلمة واحدة يمس سمعة الأستاذة نورا هيترفض فوراً ويتحاكم.” تطلعت في وجوه الموظفين الذين كانوا بالأمس ينظرون إليّ بنظرات الشك والازدراء، فرأيت الخجل في أعينهم، وبعضهم تقدم بنظرات اعتذار خجولة. لكن الفرحة لم تكن قد اكتملت بعد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.