وسط كل السواد والقهر اللي كانت عايشة فيه، ربنا قيّدلهم ست طيبة من جيرانها؛ ست حزنت بجد على حال أم هاني وكسرتها هي وابنها، ودخلت عليها وقعدت تطبطب عليها وهي بتقول لها بقلب مكسور:ـ يا بنتي اللي أنتي فيه ده ما يتسكتش عليه.
. البلد هنا ما بتعطيش حد حق، وعينهم مش هترحمك ولا هيسيبوا ابنك يطلع سوي وسط الناس وهم كل يوم بيعايروه بكلمة شكل. اسمعي مني، سيبي البلد دي كلها، واهربي بابنك على مكان تاني مفيش فيه حد يعرفكم..
ابدئي صفحة جديدة واشتغلي واكلي ابنك حلال بعيد عن القيل والقال والناس اللي ما عندهاش رحمة. الكلام دخل قلب أم هاني، وشافت فيه بصيص أمل وسط الظلمة اللي حواليها، وبدأت تفكر بجدية إنها تلم هدومها هي وابنها وتمشي في سكة مجهول بس أهون بكتير من قسوة وجبروت اللي شافته.وفعلاً، بعد سفرها لمحافظة تانية ودوران طويل على لقمة العيش، ربنا دلها على شغل في مزرعة كبيرة وواسعة لصاحب عمل شرطه الوحيد وصارم: "الشغل هنا ليكي لوحدك، ممنوع منع باتاً دخول الأطفال أو وجود عيال معاكي في المزرعة!
"الكلمة نزلت على قلب أم هاني كالصاعقة الأكبر.. وقفت قدام صاحب المزرعة وهي بتبتلع غصتها ودموعها محبوسة في عينها، مش عارفة تعمل إيه ولا تروح فين بابنها الصغير؟ هي سافرت وهربت من كلام الناس عشان تحميه، ودلوقتي الشغل اللي هيسترها ويأكلها رافض وجوده!
رجعت بخطوات مكسورة، وهي قاعدة على جنب في الشارع حاضنة ابنها الصغير وبتعيط بمرارة، مش عارفين يروحوا فين ولا يعملوا إيه، والدنيا ضاقت بيها من كل اتجاه. خرجت أم هاني من باب المزرعة بخطوات ثقيلة ومكسورة، ما كانتش عارفه تروح فين ولا تعمل إيه بعد ما اتقفلت في وشها كل الأبواب.
قعدت على الأرض بالقرب من بوابة المزرعة الكبيرة، وضمّت ابنها الصغير لح. ضنها بقوة، كأنها بتداريه عن قسوة الدنيا وظلمها. نزلت دموعها بغزارة وهي باصة لابنها اللي مش فاهم حاجة وعمال يعيط من الجوع والخوف، حست إنها وصلت لنهاية الطريق، وإنها لا قادرة ترجع لبلدها وذلها، ولا عارفة تحمي ابنها وهي تايهة في محافظة غريبة لوحدها مالهاش سند ولا ضهر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.