أمي مريضة ضغط ومش قادرة تقف على رجلها تعمل لقمة، وبنتك عندها امتحان في المدرسة الأسبوع الجاي.. أنتِ إزاي بقيِتِ بالقسوة دي؟ فين شيماء اللي كانت بتضحي عشان كل الناس؟ وقفت قدامه وبصيت في عينيه بثبات يوزن جبال، وقلت بصوت هادي وواثق: — شيماء اللي كانت بتضحي ماتت ليلة العيد يا أحمد.. يوم ما وقفت قدام أهلك كلهم، ورميت لها جنيه، وضحكتوا كلكم عليها وكأنها خدامة ملهاش قيمة ولا كرامة.
شيماء الجديدة هي اللي واقفة قدامك دلوقتي.. مديرة مشروعات، بتعرف قيمة وقتها ومجهودها كويس أوي. حماتي اتكلمت بصوت فيه شبق ونبرة انكسار لأول مرة: — يا بنتي.. يهديكي يرضيكي، المسامح كريم.. كان هزار وحقك عليا، ارجعي لبيتك وعقلك وهاتيلنا فطار نتلم عليه ونفتح صفحة جديدة. ابتسمت لها ابتسامة باردة جداً وقلت: — الهزار اللي يقل من كرامة بني آدم ميبقاش هزار يا طنط.
. ده بقى اسمه استهانة. وأنتم استهنتوا بيا سنين، وحان الوقت إن كل واحد يشيل شيلته. اللي عايز يفطر، السوبر ماركت تحت البيت، واللي تعبانة، ابنها ياخدها للدكتور بنفسه.. مش أنا اللي هدفع من صحتي وعمري تاني ببلاش. مسكت إيد بنتي، وفتحت الباب وخرجت، وسبت ورايا صوت أحمد وهو بينادي بعصبية وصوت أمه وهي بتتحسر. وصلت الشركة الساعة تسعة إلا ربع.
أجواء الشغل كانت مولعة، المكاتب كلها شغالين زي خلية النحل تحضيراً لاجتماع الوفد الخليجي، المستثمرين الكبار اللي الشركة بتسعى للتعاقد معاهم بقالها أكتر من سنتين. دخلت مكتبي، حطيت شنطتي، وفتحت الملفات. كان معايا ساعة واحدة بس أراجع فيها كل التفاصيل الماليّة والهندسية للمشروع. الأستاذ كمال دخل عليا المكتب وهو ماسك كوباية قهوة وشكله متوتر جداً. قال وهو بيمسح عرقه: — شيماء.. الوفد وصل مبكر نص ساعة وقاعدين في غرفة الاجتماعات الكبيرة.
المهندس هشام اللي كان مسك المشروع بعدك زمان.. اعتذر فجأة وقال إنه مش جاهز يقدم العرض! كل الحمل عليكِ دلوقتي.. لو الصفقة دي تمت، الشركة هتروح في مكان تاني خالص، واسمك هيتكتب بحروف من دهب. بصيت للأستاذ كمال وابتسمت بثقة: — متقلقش يا أستاذ كمال.. أنا مش بس جاهزة، أنا هخليهم يوقعوا العقد قبل ما يخرجوا من الأوضة. دخلت غرفة الاجتماعات. الطاولة البيضاوية الكبيرة كان قاعد عليها ستة من كبار المستثمرين، ومعاهم رئيس مجلس إدارة شركتنا.
أول ما دخلت بالبدلة الزيتي والمجلدات في إيدي، ونظرة الثبات في عيني، الكل سكت والتفت لي. بدأت العرض التقديمي. اتكلمت بأسلوب علمي، وبأرقام دقيقة، وبحلول مبتكرة للمشاكل الهندسية والمالية اللي كانت معطلة المشروع من سنين. كل ما يسألوا سؤال صعبة، كنت برد بتلقائية وثقة أبهرت الحاضرين كلهم. الأفكار اللي كنت بكتبها في نوت بوك صغير وأنا قاعد في البيت بين غسيل الهدوم وطبيخ الأكل.. خرجت للنور وبقت هي الأساس اللي هيتبنى عليه مشروع بمليارات.
بعد ساعتين كاملين من المناقشات الشديدة.. رئيس الوفد الخليجي وقف من مكانه، وبص لرئيس مجلس إدارة شركتنا وقال بابتسامة إعجاب شديدة: — الباشمهندسة شيماء مكسب غير عادي لشركتكم.. تقديم احترافي وقدرة على إدارة المخاطر ما شفتهاش من سنين. إحنا موافقين على كل شروط العرض، وبنوقع العقد بشرط واحد بس.. إن الباشمهندسة هي اللي تستلم إدارة المشروع بالكامل من الألف للياء. الصالة كلها انفجرت بالتصقيف.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.