بكرة مفيش نزول شغل، والكارنيه ده هيتقص، وتعدي في بيتك تشوفي طلبات أمي وبنتك وليا أنا الأول! قربت منه خطوة بخطوة، والمسافة بيننا صغرت، بس المرة دي مكنتش الست الخايفة اللي بتداري دموعها عشان المركب تسير. قلت له ونبرتي أبرد من الثلج: — تقص الكارنيه؟ تجرأ تعملها يا أحمد.. ونشوف ساعتها مين اللي هيزعل بجد. أنت فاكر إني رجعت الشغل عشان شوية فلوس؟ أنا رجعت الشغل عشان أسترد نفسي اللي أنت وأهلك محيتوها على مدار سنين.
الفلوس اللي باخدها دلوقتي بتكفيني وتكفي بنتي، ومش محتاجة منك ولا جنيه.. الجنيه اللي رميته في الظرف، أنصحك تحتفظ بيه، عشان يمكن تحتاج تشتروا بيه كرامة لما تعرفوا البيت ده كان قايم على مين! أحمد وشه اصفر، وأمه بصت له باستغراب وهي مش مصدقة إن دي نفس الست اللي كانت بتسكت على إهاناتهم وتعديها بابتسامة المكسورة. في اللحظة دي، التليفون بتاعي رن. شفت الشاشة.. كان الأستاذ كمال، مدير الشركة.
رفعت السماعة ورديت قدامهم كلهم بصوت واضح ومسموع: — أيوة يا أستاذ كمال.. تمام.. بكرة الاجتماع مع وفد المستثمرين الخليجيين الساعة عشرة الصبح؟.. جاهزة تماماً ومجهزة العرض التقديمي كله.. متقلقش، المشروع تحت السيطرة. قفلت الخط، وبصيت لأحمد اللي كان واقف مش قادر ينطق كلمة، العجز مكتوب على وشه لأن كل تهديداته باتت ملهاش قيمة. مسكت شنطتي، وقلت لهم بصوت هادي: — أنا داخلة أنام عشان عندي شغل مهم بكرة الصبح.
والأكل اللي في الثلاجة بتاع بنتي بس، اللي عايز ياكل.. المطبخ مفتوح، بس البوتجاز بيحــ,,ـــــرق الأكل لو سيبتوه من غير مراقبة. دخلت الأوضة، وقفلت الباب بالمفتاح. سمعت برة دوشة وزعيق وصوت حماتي بتصرخ في أحمد: “شوف حل لمرتك يا خايب! الست ركبت ودليت رجليها!” وصوت أخت جوزي وهي بتلم هدومها وتزق ابنها وتقول “أنا رايحة بيتي، الشقة دي بقت تطاق!”. قعدت على السر,,ـــــير، وبصيت لبنتي اللي كانت نايمة بسلام.
مسكت الموبايل، وفتحت التطبيق البنكي.. نزلت لي مكافأة التقدير الأولى عن شغل الأسبوع، مبلغ محترم، أضعاف أضعاف العيدية اللي اتوزعت في ليلة العيد. ابتسمت، وعرفت إن المواجهة الكبيرة مش هتبقى في البيت بس.. بكرة في الشركة، فيه خطوة جديدة هتغير مسار حياتي كلياً، وهتخلي أحمد يندم على كل لحظة فكر فيها إنه يقلل مني. الصبح بدري، الساعة كانت سبعة إلا ربع.
خرجت من الأوضة وأنا لابسة بدلة جديدة باللون الزيتي القاتم، وبنطلون قماش مظبوط، وكعب عالي يررن في الصالة مع كل خطوة. البيت كان ريحته كئيبة، عبارة عن بواقي عشا البارح ومواعين ملهاش صاحب، وأحمد قاعد على الكنبة بجلابيته، شكله مانامش طول الليل، تحت عينيه هالات سودا ووشه شاحب من قلة النوم والتفكير.
حماتي كانت قاعدة في زاوية الكنبة، لافة طرحتها وشكلها مهزوم، وأخت جوزي كانت لمّت شنطها وواقفة مستنية تاكسي عشان تهرب لبيتها بعد ما أدركت إن “الخدمة المجانية” انتهت للأبد. أول ما شافوني خارجة، أحمد وقف بسرعة واعترض طريقي في الممر. قال بصوت مبحوح ومكسور، لكنه بيحاول يحافظ على شوية من كبريائه المزيف: — شيماء.. أنتِ بجد هتمشي وتسيبي البيت بالشكل ده؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.