. بس يعيش في نظرها مجرد خيال مَآتة!مرت الأيام والأسابيع، وأنا عايش في البيت زي "ضيف تقيل" مالوش أي كلمة. أروح الشغل الصبح وارجع بالليل، أدخل ألاقي الأكل محطوط بانتظام، والبيت متستف، ونضيف. . بس كان ناقصه أهم حاجة: الروح. مكانش فيه بيني وبينها غير السلام وعليكم السلام، وكلام على قد المصاريف وأحوال الولاد. بقيت لما أعوز حاجة أستأذن، ولما أحب أفتح موضوع أتردد ألف مرة قبل ما أنطق.
الكسرة اللي جويا مكانتش عشان الفلوس اللي ضاعت على الشبكة والألماظ، لكن عشان نظرة الاستصغار اللي بشوفها في عيونها كل ما تبصلي. وفي يوم، كنت قاعد في الصالة بالليل، وهي كانت بتمسح الترابيزة. بصيت لها وجمعت كل شجاعتي عشان أكلمها:— "هو أنا هفضل عايش معاكي كده طول العمر؟ غريب في بيتي؟ مش كفاية يا بنت الحلال اللي حصل؟ أنا اتعلمت الدرس، ومبقتش عايز غير إننا نرجع زي الأول.
"سحبت الفوطة من إيدها، ووقفت بصتلي بجمود.. مفيش في عيونها أي أثر للزعل ولا للغل، كان فيه حاجة أصعب بكثير: موت المشاعر. قالتلي بصوت هادي يقطع القلب:— "ترجع إزاي يا معلم؟ هو اللي بيتكسر في كرامة الست ونخوة الراجل بينفع يتصلح؟ أنت ما كفلكش إنك راجل البيت ومسؤول عننا.. أنت حاطت عينك على ورثي، وجبت أمك وأخواتك يذلوني في بيتي، وكنت بتستغفلني عشان تجوز عليا بفلوسي!
أنت فتحت باب من الخسة، والباب ده لما بيتفتح بياخد معاه كل حاجة حلوة."قربت خطوة وقالت بثبات:— "أنا قعدت معاك مش عشان بحبك ولا عشان مستنية تتغير.. أنا قعدت عشان عيالي ما يتربوش بعيد عن أبوهما، وعشان بيتي اللي تعبت فيه ما يتهدش. أنت عايش معايا أكلك وشربك وغسيلك بيتعملوا على أكمل وجه.. بس قلبك وثقتك وبصتي ليك كراجل أتسند عليه؟ دول ماتوا من اليوم اللي فكرت فيه تعمل عليا راجل بأهلك.
"سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة:— "ورثي اللي كنت طمعان فيه؟ مش هتشوف منه مليم، وعايزه يفضل محطوط في البنك للزمن ولعيالي. وأنت هتعيش تصرف على بيتك قرش ينطح قرش من عرقك.. تعيش راجل بجد، مش بتمثيلية."سابتني ومشيت ودخلت أوضتها، وأنا فضلت قاعد في مكاني مش عارف أرد..ساعتها بس فهمت إن أقصى عقاب ممكن تديه لك ست أذكى منك، مش إنها تتخانق معاك أو تطلب الطلاق.
. العقاب الحقيقي إنها تسيبك عايش معاها تحت سقف واحد، بس تجردك من هيبتك وتخليك تشوف نفسك في الملاية كل يوم كـ "عيل صغير" خسر بيته وكرامته عشان نزوة وطمع! ومرت الشهور.. وكانت أصعب شهور عدت عليا في حياتي. الهدوء القاتل اللي في البيت كان بيعصرني كل يوم، بس المرادي قررت إني ما أهربش ولا أعاند.
استوعبت إن الطريق الوحيد عشان أرجع راجل في عين نفسي وفي عينها، هو إني أتحمل نتيجة أفعالي وأثبت لها إن الشدة والأزمة دي طلعت مني راجل جديد. بدأت أغير كل حاجة في حياتي من الساس للرأس. نزلت شغلي بروح تانية خالص، بقيت أشتغل ورديتين وأسهر عشان أزود دخلي بحلال الله.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.