.. كانت المكالمة من المستشفى العام، وبلّغوني بخبر طارئ وغير متوقع عن طارق جوة السجــ,,ـــــن، خبر هيغير مجرى جلسة المحاكمة الجنائية تماماً! المكالمة كانت من طبيب المستشفى العام، وبلّغني إن طارق اتعرض لأزمة قلبية حادة ومفاجئة جوة محبسه، ونقلوه العناية المركزة في حالة حرجة جداً، والأطباء بيحاولوا ينقذوا حياته. الخبر نزل على أم طارق زي الصاعقة، وقعت في أرض المحل وبدأت تصرخ وتلطم على وشها.
رغم كل الوجع والمرارة اللي سببهالي الراجل ده، ماقدرتش أقف متكتفة قدام موقف فيه روح بين إيدين ربنا. أخدت أم طارق في عربيتي وطرت بيها على المستشفى، ووقفت معاها قدام باب العناية المركزة. بعد ساعتين انتظار ثقال جداً، خرج الدكتور ووجهه شاحب، وطلب يدخل أهل طارق. دخلت أنا وأمه، وشفته ممدد على السر,,ـــــير، الأجهزة حواليه من كل ناحية، ووجهه أصفر وخالي من أي ملامح للغرور أو الطمع اللي كانوا بيملوه زمان.
أول ما فتح عينيه وشافني واقفة جنب أمه، شفت في عينيه دموع حقيقية ونظرة رجاء وانكسار عمره ما ظهر بيها قبل كده. شاورلي بإيده المرتعشة عشان أقرب منه، ولما قربت، قال بصوت ضعيف وبصعوبة يادوب مسموعة:— سامحيني يا هبة. .. سامحيني يا أم سلمى... أنا عرفت إن الدنيا ما تسواش حاجة... والطمع عمايا ودمرني ودمر بيتي... سامحي أبو بنتك عشان يرتاح... وأنا مسامح في كل حاجة وما يلزمنيش غير إن ربنا يغفرلي.
..بصيت لملامحه المجهدة، وافتكرت كلام بابا الله يرحمه عن التسامح لما المو. ت يرفرف على الرؤوس. بصلت له وقولت له بكل صدق وراحة بال:— مسامحاك يا طارق... ربنا يشفيكم ويعافيك عشان بنتك، والحساب بينك وبين ربنا خلاص، أنا صَفيت حسابي معاك وسيبت كل حاجة للشرع والقانون والقدر. بعد أسبوعين، تحسنت حالة طارق الصحية، وتماثل للشفاء بفضل الله، لكن الجلسة الجنائية كانت انعقدت بالفعل.
وبناءً على التنازل المدني اللي قدمته أنا ونادية أمام المحكمة مراعاةً لظروفه الصحية وعشان خاطر بنتنا، القاضي خفف الحكم لأقصى درجة، وحكم عليه بسنة واحدة مع وقف التنفيذ والغرامة، مع إلزام أهله برد كافة الحقوق المالية لنادية ونفقة البنت. خرج طارق من التجربة دي إنسان تاني خالص... راجل اتكسر غروره وتطهرت نفسه بالمرض والسجــ,,ـــــن. ساب البلد وسافر يشتغل في أطراف الأقاليم موظف بسيط جداً، ونسي فكرة المشاريع والمنظرة.
بقى بيجي كل شهر في الميعاد المظبوط، يدفع نفقة سلمى بمنتهى الأدب والاحترام، ويشوفها في مركز الشباب من غير ما ينطق بكلمة واحدة يسيء بيها ليا أو لذكرى بابا. أنا رجعت لشغلي ولحياتي، فتحت المحلات وأديرت أملاك بابا بنجاح وقوة. سلمى كبرت بين أحضاني وأحضان أمي، بتتربى في بيت مليان عز وكرامة وأخلاق، وعارفة إن أمها ما فرطتش في حقها ولا قبلت الإهانة. وفي يوم السنوية التالتة لوفــ,,ـــــاه بابا.
.. نزلت المقابــ,,ـــــبر عند باب النصر، ومعايا سلمى ماسكة في إيدي، ووزعنا الصدقات والقرص على روح الحاج صبري. وقفت قدام قبــ,,ـــــره وأنا رافعة راسي، وقرأت له الفاتحة وقولت له بابتسامة صدمت كل هموم الماضي:— اطمن يا بابا... صُنت الأمانة، وحافظت على الشرفة والبيت والورث، وبنتك بفضل ربنا وبفضلك بقت أجدع وأقوى ست... نام واستريح في تربتك يا حبيب العمر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.