. مكنتش عشان الحسد.. دي كانت عشان تخوفني أنا ونبيلة وتطفشنا من البيت للأبد، عشان تفضل الشقة فاضية وتتمكن من بيعها دون ما حد يحاسبها!"صعقنا جميعاً من هول المفاجأة. كل تلك التمثيليات، وكل ذلك الهوس المصطنع بالحسد والعين، وكل دموعها وصراخها.. لم يكن سوى ستار كثيف يداري خلفه جريمة نصب وسرقة ميراث ابنها وأخواته!
في تلك اللحظة، سمعنا صوت صراخ أم عماد من البلكونة يرتفع بشكل جنوني وهي تقتحم الغرفة علينا بعد أن فتحت باب الشقة بمفتاحها الاحتياطي، وهجمت كالطير الجريح وهي تصرخ:"سيبوا الأوراق دي! دي بتاعتي! البيت بتاعي ومحدش ليه حاجة عندي! أنتوا شلة حرامية عايزين تطردوني من بيتي!
"تقدم منها ضابط الشرطة بحزم، وأشار للشرطي المرافق له قائلاً:"حاجة أم عماد.. اتفضلي معانا بهدوء على القسم. محضر إتلاف ممتلكات، وترويع، وكمان بلاغ رسمي من ابنك بالتزوير وإخفاء مستندات ميراث وسرقة حقوق الورثة!"وقفت أم عماد مذهولة، وامتنع الكلام في حلقها، وسقط الملف من يدها المرتعشة على الأرض وهي ترى الحلم الذي بنته من الأكاذيب يتهاوى أمام عينيها في ثوانٍ معدودة. نظرت إلينا بنظرة مليئة بالخزي والإنكسار، وقالت بصوت مكسور:"بتبيع أمك عشان حتة ورقة يا عماد؟
!"نظر إليها عماد بعيون ملؤها الدموع والوجع وقال لها بصوت هادئ وموجع:"أنا مبعتش أمي يا اما.. أمي هي اللي باعتني من زمان، وباعت أمانة أبويا وأخواتي عشان طمع الدنيا.. والباقي كله كان تمثيلية رخيصة."أخذتها الشرطة ونزلنا جميعاً خلفها، وتركنا بيت العيلة وراءنا وهو يغلق أبوابه على أسرار مظلمة انتهت إلى غير رجعة. وفي اليوم التالي، بدأت إجراءات استرداد حقوقنا القانونية، وجلسنا في شقتنا الجديدة المؤقتة نلتقط أنفاسنا بعد رحلة طويلة من العذاب والجهل والطمع.
لكن الأيام خبأت لنا مفاجأة أخيرة وغير متوقعة بالمرة، مفاجأة لم تكن في الحسبان ووقعت يوم خروج أم عماد من السجن بكفالة، حين جاءتنا لتفعل شيئاً لم يكن يخطر على قلب بشر!مرت أسابيع صعبة وثقيلة مليئة بالتحقيقات والمحاضر في قسم الشرطة، وعماد كان يحاول بكل طاقته أن يعيد الحقوق لأصحابها، ويقسم ميراث بيت العيلة بين عمه وأخواته البنات بالعدل، ليرفع عن كاهله وزر ظلم طال لسنين.
أما "أم عماد"، فبعد أيام قضتها في الحجز وتحت ذمة التحقيق بتهم إخفاء المستندات وإتلاف ممتلكات، حصلت على إخلاء سبيل بكفالة لحين استكمال المحاكمة، نظراً لكبر سنها. توقعنا جميعاً أن تخرج من القسم أكثر عناداً وغضباً، أو أن تذهب لتهددنا مجدداً بالأسحار والخرافات التي لم ترتوي منها أبداً. لكن ما حدث يوم خروجها كان درساً قاسياً لم يكن أحد منا يتوقعه.
كنت جالسة في شقتنا الجديدة مع أمي التي بدأت تتحسن بفضل الله ويقترب موعد فك الجبس عن رجلها، وفجأة سمعنا صوت طرقات خفيفة ومترددة على باب الشقة. استغربنا التوقيت، ووقف عماد لفتح الباب، ليفاجأ بـ "أم عماد" واقفة على العتبة!كانت تبدو منكسرة، عجوزاً ضعيفة تتكئ على عصاها، وقد تساقط غرورها وعلت وجهها تجاعيد الندم الحقيقي. وقفت تنظر لعماد بعيون دامعة، وقالت بصوت مكسور يخلو من أي جبروت:"مساء الخير يا عماد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.