. والأهول من كده.."صمت عماد لحظة كأن الكلمات تقف في حلقه، ثم سالت دمعة حارقة على خده وهو يكمل:"لقتني وأنا رايح الأوضة.. على كومدينو اوضة النوم، حاطة جرة صغيرة مقفولة بشمع أحمر، وحواليها طلاسم ودبابيس مغروزة في صورة قديمة تجمعني أنا وأنتي يوم فرحنا، ومكتوب عليها بالدم: (لا طاعة لزوجة ولا رجعة لدار، واليوم اللي يسيبك فيه يحصل له اللي أدهش العصار).
. والعفش كله في الصالة متبهدل، ومكتوب على الحيطة بالدم أو مادة حمرا غريبة: (جزاء العاق لأمه الهلاك والتشتيت)!
"أمي صرخت من هول ما سمعت ووضعت يدها على قلبها:"يوه! يا نهار أسود ومسخمط! دي ست مجنونة رسمي! دي مش طبيعية ولا تخاف ربنا!"سيد أخي انتفض من مكانه، وبرزت عروق وجهه وغضب غضباً عميقاً، وقال وهو يمسك عصا خشبية كانت بجانب الباب:"والله ما أنا سايبها! الست دي جن جنونها وخرفت في عقلها، دي كادت تموت أمي ودلوقتي جاية تحرق بيوت وتعمل أعمال وسحر!
والله ما هسكت، انا طالع أكسر راسها هي واللي خلفوها!"مسكته أنا من دراعه وأنا أبكي بانهيار:"استنى يا سيد.. والنبي استنى، هتعمل إيه؟ دي ست عجوزة ولو عملت لها حاجة هتقلب الطرابيزة وتعمل فضيحة للكل.. سيبك منها، حسبي الله ونعم الوكيل فيها!"هنا دخل عماد في نوبة غضب جنونية، وضرب بيده على الحائط بقوة حتى أدمت كفه، وقال بصوت أشبه بالزئير:"أنا كنت خايف عليها عشان أمي، وكنت بقول بكرة تعقل وتعرف غلطتها.
. لكن توصل إنها تعمل أسحر وتخرب بيتي بيديها وتدمر مستقبل عيالي؟! لا.. خلاص.. الحدود اتخطت، والخط الأحمر اتقطع!"سأله أخي سيد بحزم: "ناوي على إيه يا عماد؟!"نظر إليّ عماد نظرة ثابتة مليئة بالقرار الحاسم وقال:"نبيلة.. الولاد أنا نزلتهم عند أختك في الدور اللي تحت عشان ما يشوفوش المنظر المرعب ده.
. ودلوقتي، مش هنسكت. أنا مش هأذي أمي، ولا أقدر أمد إيدي عليها، بس فيه طريق واحد قانوني وشرعي هيمحي كل اللي عملته، وكمان هيخليها تعرف مين هو عماد بجد لما يغضب على حق!"قلت له بقلق: "قصدك إيه يا عماد؟ هتعمل إيه؟!"رد عماد بصوت ثلجي:"بكرة الصبح بدري، مش هنروح الشقة القديمة ولا هنصلح حاجة.
. بكرة الصبح أنا هجيب مأذون، وشرطة، ونطلع ندخل الشقة بمحضر رسمي لإتلاف ممتلكات وإثبات حالة سحر وشعوذة، وهكتب الشقة دي باسمك يا نبيلة بالكامل، وكمان هرفع قضية حجر أو إيداع لامي في مكان لرعاية المسنين لو فضلت على جنونها ده.. وعشان تعرف إن الله حق!"صدمنا جميعاً من قسوة قراره، لكننا علمنا تماماً أن أم عماد هي التي حفرت قبرها بيدها، وأن ما فعلته لم يكن مجرد غضب أم، بل كان دماراً متعمداً لا يمكن السكوت عليه.
وفعلاً، مر الليل كابوساً طويلاً ومخيفاً.. وفي صباح اليوم التالي، بدأنا تنفيذ الخطة التي غيرت مجرى حياتنا للأبد، ودخلنا شقة العيلة برفقة الشرطة والمأذون، لنواجه أم عماد التي وقفت في البلكونة تصرخ في وجه الجميع متوعدة بالمزيد من الأسحار والخراب.. لكن المفاجأة الكبرى التي لم تكن تخطر على بال أحد، حدثت لحظة فتح خزانة الشقة القديمة وتفتيش أوراقها الرسمية، لنجد مفاجأة صادمة نسفت كل شيء وأثبتت لنا أن الجنون الحقيقي لم يكن بسبب الحسد، بل بسبب شيء أفظع بكثير!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.