في الفترة دي، أهله مسبوش باب إلا وخبطوا عليه. وفود من كبارات عيلتهم، ناس من أصحاب والدي القدامى، وحتى إمام المسجد اللي في منطقتنا جابوه وجه يتوسط. قعدوا في صالون بيتنا، يعرضوا شيكات على بياض، تنازل كامل عن الشقة، وفلوس فوق المؤخر والقايمة أضعاف مضاعفة، وأبوه كان قاعد يبكي بدموع حارقة ويقول لأبويا:"يا حاج.
. ابني غلط وأذنب ويستاهل ضرب النار، بس مستقبله هينتهي.. بدلة السجن الزرقا دي لو اتلبسها هيموت بالحيا، والمهنة هتسحب ترخيصه ونقابة المهندسين هتشطبه، استروا عليه ربنا يستر ولاياكم.
"لكن رد أبويا كان ثابت ومفيش فيه مساومة، بصلهم وقال ببرود يقطع الشك:"اللي باع ستر بيته عشان رهان وفلوس رخيصة ميطلبش الستر لما يقع تحت سيف القانون. اللي بيننا مش فلوس ولا شيكات، اللي بيننا حق شرف وكرامة بنتي والمجتمع كله، والكلمة بقت للقضاء مش للمجالس."خرجوا يجروا أذيال الخيبة، وبدأ العد التنازلي ليوم المحاكمة. يوم الجلسة، صحيت من الفجر، اتوضيت وصليت ركعتين شكر وراحة، ولبست هدوم هادية ومحترمة، ونزلت ومعايا والدي ومحمود والمحامي.
مجمع المحاكم كان زحمة، بس القاعة اللي فيها القضية كانت واخدة اهتمام غير عادي، صحفيين من مواقع الحوادث بدأوا يشموا خبر عن القضية اللي بتجمع بين انتهاك حرمة الحياة الخاصة والإتجار بالصور والابتزاز الإلكتروني داخل مسكن الزوجية. أول ما دخلنا القاعة، كانت أسر المتهمين التانيين موجودة كمان، وشوش مكسورة وعيون تايهة، وأمه كانت قاعدة في الزاوية، شكلها هدّه المرض والجلطة اللي خلت مشيتها تقيلة ولسانها بيتلعثم.
أول ما شافتني بصتلي بنظرة كلها كسر ورجا، بس عنيا مكنتش بتنزل ولا بتتهز.
اتفتح باب القفص الحديدي، ودخل الحرس المتهمين التلاتة. طارق كان لابس الأبيض الخاص بالحبس الاحتياطي، دقنه طويلة ومهملة، عيونه غائرة وسودة من قلة النوم في الحجز، ورجليه مكنتش شايلاه، متكلبش في إيد زمايله الاتنين اللي كانوا بيتفادوا حتى يبصوا في وشه، وكل واحد فيهم محمل التاني مسؤولية الخراب اللي هما فيه.
دخلت هيئة المحكمة، وهتف الحاجب بصوت جهوري: "محكمة!"الكل وقف، والقاعة سكتت تماماً لدرجة إن صوت تنفس المتهمين في القفص كان مسموع. رئيس الدائرة، مستشار وقور عيونه صارمة وملامحه مفيهاش أي تردد، فتح الملف وبدأ يقرأ أمر الإحالة من النيابة العامة. المرافعة بدأت، وممثل النيابة العامة ألقى مرافعة تاريخية خلت القشعريرة تمشي في ضهر كل اللي في القاعة. وقف ممثل النيابة وبص ناحية القفص وشاور بصابعه وقال بصوت جهوري هز الجدران:"سيدي الرئيس، عدالة المحكمة الموقرة.
. جئناكم اليوم لا لنقتص من جريمة سرقة أو خيانة أمانة عادية، بل لنقتص من خيانة للأرض والعرض والعهد المقدس. متهم خان أمانة مسكنه، واستحل ستر زوجته، وبدلاً من أن يكون الحصن والسند، تحول إلى تاجر رخيص يعرض شرف بيته في مزادات الشاتات المظلمة. المتهمون أمامكم لم يرتكبوا فعلاً طائشاً، بل خططوا، وساوموا، واستدرجوا، وعرضوا أقدس ما في هذا المجتمع للبيع والتسلية الرخيصة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.