خطيب بنتي بقلم زهرة 2

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

دوّى صوت تحطم الزجاج في مدخل العمارة كالرعد، واهتزت جدران البناية بأكملها تحت وطأة الشوم والعصي الغليظة التي كانت تنهال على الأبواب والشبابيك. والد العريس كان يقف في قلب الحارة كرجل أصابه مسّ، يحمل في يده عصا خشبية ثقيلة وخلفه أربعة من أشقائه وأبناء عمومته، وجوههم محتقنة كالجمر المشتعل وعيونهم تتطاير منها الشظايا، يسبون ويلعنون بألفاظ تخلع القلوب، ويطالبون بخروج نرمين وأبيها لرد كل قرش دُفع في الشبكة وجهاز الفرح ومصاريف القاعة التي تحولت إلى عبلة سقطت على ركبتيها فوق درجات السلم، تسحب جسدها كالدودة الزاحفة محاولة الاختباء وراء ظهر زوجها، ووجهها تحول إلى لون الرماد بعدما شلتها الكلمات التي ألقيتها في وجهها عن أوراق الميراث القديمة ووفاة والد أحمد؛

كانت ترتعش كمن أصابته حمى تنظر إليّ بعينين زائغتين يملؤهما ذعر لم أعهده فيها طوال ثلاثين عاماً من الجبروت والتسلط. أما محمد، فكان يدور حول نفسه كشاة ممسوسة في حظيرة مقفلة، يمسك برأسه بكلتا يديه، يضرب الجدران بجبهته وهو يئن صوت مبحوح: “استر يا رب… استر يا رب ويهدوا البيت على دماغنا!

” ركض محمد نحو باب شقتنا مرة أخرى وحاول أن يدفع أحمد بكل ثقله ليدخل، لكن أحمد صده بيده صدة حديدية جعلته يترنح على مقعدة السلم. نظر إليه أحمد بعينين قاسيتين وقال بصوت بارد حاسم: “بيتي ده مش ملجأ له، وباب شقتي مش ساتر يداري بيه عارك، انزل قابل الناس اللي انت نصبت عليهم واشرب اللي انت وبنتك طبختوه بإيديكم!

” في تلك اللحظة، صعد اثنان من كبار الحارة، الحاج عبد الرازق صاحب المخبز والحاج مرسي التاجر، يلهثون من صعود الدرج، ووجوههم مكفهرة من هول المشهد والهرج الذي ملأ الحارة كلها. وقف الحاج عبد الرازق ينظر إلى محمد وعبلة باحتقار تقشعر له الأبدان، ثم التفت نحو أحمد وقال بصوت يخنقه الغضب: “يا أحمد، الحارة كلها اتفضحت والشارع مقلوب، أهل الولد جايبين رجالة من عيلتهم وحالفين ما يطلع الصبح إلا والعمارة دي محروقة أو ياخدوا حقهم تالت ومتلت!

انزل معانا يا راجل يا أصيل، مالناش كلام مع الراجل ده اللي فرط في عرضه وبنته، انت كبير البيت ده وانت اللي في إيدك تلم ” أحمد رمق أخاه الملقى على الأرض بنظرة خذلان أخيرة، ثم عدل ياقة قميصه وقال بهدوء: “أنا نازل يا حاج عبد الرازق، بس مش عشان أداري على ـن، أنا نازل عشان اسم أبويا واسمي واسم بنتي اللي اتظلمت، واللي ليه حق عند دول ياخده بالقرش وبأمر الجلسة العرفية”.

نزل أحمد مع كبار الحارة، وتركنا محمد وعبلة يرتجفان على درجات السلم. دخلت شقتي وأغلقت الباب بالمفتاح، ووقفت خلف الباب أسمع صوت الصراخ الذي اشتعل في الطابق الأرضي. كان صوت أحمد يعلو فوق كل الأصوات، ثابتاً، رزيناً، لا يهتز له جفن. فُتحت شقة محمد في الطابق الأول ودخل رجال الحارة مع والد العريس الغاضب، وأجبروا محمد على النزول سحباً على الدرج وهو ينتحب ويستعطف، بينما هربت عبلة إلى الداخل وأغلقت على نفسها وعلى ابنتها نرمين التي كانت تصرخ وراء الباب المغلق كالمجنونة بعدما تحولت إلى جثة حية لا يسترها فستان الفرح الممزق.

في صالة شقة محمد، دارت محاكمة شعبية لم تشهد الحارة مثلها قط. جلس أحمد على رأس الأريكة، وبجواره كبار الحارة، بينما وقف والد العريس يصرخ ملوحاً بإيصالات الأمانة وشيكات حجز القاعة وفواتير الشبكة الذهبية: “وخمسين ألف جنيه غير الشبكة، مش هسيب مليم واحد! وبنتك ا دي مش بس ردت الشبكة، دي تتجرجر في المحاكم هي وأمها اللي لبستنا العمة وضحكت علينا!

” محمد كان يبكي كالنساء، يمسك بجلابيب الرجال ويتوسل إليهم أن يمهلوه شهراً أو شهرين لأنه لا يملك سيولة نقدية تغطي ربع هذا المبلغ. وهنا، نزل صوت أحمد في الغرفة كالصاعقة التي شقت الأرض: “أهل الولد ليهم حق يا رجالة، وحقهم هياخدوه الليلة دي وقبل ما حد فيهم يطلع من الحارة… محمد ممعاهوش فلوس، بس معاه نصيبه في العمارة دي، نصيبه اللي مبني على باطل!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
عع

عالم المرأة عالم المرأة ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
289مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بنت الخدامه فريده اخبار

بنت الخدامه فريده

يا بابا دى ماما عايزه تجوزنى بنت الخدامه يعني ايه امها كانت شغاله عندنا وخلاص ماټت الله ير…

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 27 دقائق
الجرسونه والشيخ اخبار

الجرسونه والشيخ

الشيخ أهان نادلة قدام 3 من أكبر رجال الأعمال، وقال لها: «إنتِ مجرد خدامة غبية»…

عالم المرأة عالم المرأة 0.0 7 دقائق