وشها كان لسه باهت، والكدمات راحت بس سابت مكانها هالات سودة محفورة في ملامحها، عيونها كانت هادية هدوء مخيف، هدوء اللي مات ومبقاش فارق معاه حاجة.نزلت عينيها لإيدي اللي على كتفها، وقالت بصوت واطي ومبحوح، لكنه نزل عليا زي الصاعقة:
— متلمسنيش.شلت إيدي بسرعة كأني اتلسعت بنار:
— حقك عليا..
والله حقك على راسي، أنا عارف إني غلطت وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم فديتك بعمري، اطلبي أي حاجة، قوليلي اعمل إيه عشان تسامحيني وترجعي بنتي حبيبتي بتاعة زمان؟ هعمل أي حاجة ترضيكي!ابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة، وهزت راسها بنفي يوجع القلب:
— مفيش حاجة تتعمل.. أنت متأخر أوي يا بابا. متأخر سنين.
زمان كنت محتاجة كلمة حلوة، كنت محتاجة أحس إن ليا ضهر، كنت ببوس إيدك عشان تكملي تعليمي، وكنت بصرخ تحت رجلين جوزهولي وأقول يارب أبويا يجي ينجدني.. مجيتش. دلوقتي بتجيبلهم ياكلوني ويشربوني؟ أنت فاكر الوجع كان في بطني؟ الوجع كان هنا..شاورت بصباعها الضعيف على نص صدرها، ودمعة يتيمة نزلت على خدها وهي بتكمل:
— الكسر اللي في جسمي خف والجبس اتفك.
. بس الكسر اللي جوة هنا ملوش جبس. أنا مش مغلولة منك، ولا بدعي عليك.. أنا بس اتعلمت إني يتيمة بجد، واليتيم لما بيكبر مبيعرفش يرجع عيل تاني يحتمي في حضن أبوه.خلصت كلماتها، وخدت خطوتين ورا وسابتني واقف مكاني في نص الأوضة. مكنش في إيدي حاجة أقولها، حسيت إن لساني اتقطع، وعرفت إن أصعب عقاب ممكن الأب يدوقه، مش إن بنته تدعي عليه.
. عقابه الحقيقي لما تفقد الأمل فيه وتشوفه مجرد غريب، غريب فات الأوان على وجوده.عدت السنين، وبنتي اتبدلت تماماً.. البنت المكسورة اللي كانت بتمشي جنب الحيط وتخاف من خيالها ماتت، وطلعت مكانها ست تانية خالص؛ قوية، حازمة، ملامحها هادية بس فيها صرامة تخلي أي حد يعملها ألف حساب.دفنت نفسها في الشغل زي ما كنت بعمل زمان، بس شتان بين هروبي الجبان وبين معافرتها الشريفة.
كانت أول واحدة تفتح باب الشركة وآخر واحدة تمشي. ذكاؤها وتفانيها خلوها تكبر بسرعة الصاروخ، ومن موظفة صغيرة أثبتت كفاءتها لحد ما مسكت إدارة قسم كامل، وبقى ليها اسم وكيان الكل بيحترمه. حياتها كانت عبارة عن مواعيد وشغل وتقارير، حاطة بينها وبين الناس سياج من حديد، قافلة قلبها بمليون قفل، ومفيش راجل قدر يقرب من حدودها خطوة واحدة؛
كانت شايفة في عيون كل الرجالة صورة الغدر والضعف اللي عاشته في بيت جوزها وتخاذلي أنا عنها.لحد ما دخل حياتها راجل مختلف..كان مهندس شريك في مشاريع الشركة، راجل هادي، عينه مليانة احترام ورجولة بجد. مكنش بيطاردها ولا بيحاول يرمي شباكه زي غيره، كان شايف الوجع المستخبي ورا قناع القوة اللي لابساه.
بدأ يتعامل معاها بتقدير حقيقي لشخصها وشغلها، لو تعبت يلاقي طريقة يخفف عنها من غير ما يجرح كبريائها، ولو وقفت في مشكلة يلاقي حلول بهدوء ويكون في ضهرها كأنه جبل.كان صبور معاها لأبعد حد، مستعجلش، واستحمل صدها ونفورها كذا مرة، لحد ما في يوم واجهت فيه أزمة كبيرة في الشركة كادت تطيح بشغل سنين، ووقفت لوحدها متوقعة الغدر والخذلان كالعادة..
بس لقته هو اللي واقف في وش العاصفة بدالها، حماها وحمى مجهودها من غير ما يطلب مقابل ولا حتى كلمة شكر.في الليلة دي، وهي واقفة في مكتبها بتبص عليه وهو بيلم أوراقه، سألته بصوت بيترج لأول مرة من سنين:
— ليه بتعمل كل ده؟ أنا ست معقدة ومستهلش حد يرمي نفسه في النار عشاني.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.