فوضت أمرها للحي القيوم، وربنا ينزل عدله عليك خلاص. لفت ضهرها ومشيت بخطوات سريعة . بقيت أمد إيدي في الهوا كأني بشحت منها كلمة، وصرخت وراها في وسط الشارع والناس بتبصلي:— أم أحمد! علشان خاطر ربنا قوليلي كلمة واحدة! بنتي عايشة ولا ميتة؟!مبصتش وراها، رفعت إيدها للسما وهي بتمشي وقالت كلمة واحدة رنت في الشارع كله: حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا قاسي القلب.
اختفت وسط الزحام، وسبتني واقف في مكاني متسمر، الأرض بتميد بيا، والشارع كله اسودّ في عيني. إحساس الر....,,,عب والذنب اللي كنت دافنه سنين تحت الشغل والهر..ز..وب هجم على صدري دفعة واحدة، وخنقني لدرجة إني معرفتش أتنفس. طلعت أجري في الشارع زي المجنون، معرفش رجلي شيلاني إزاي ولا رايح على فين، مفيش في راسي غير صورة بنتي ونظرة عتابها الأخيرة يوم ما طردتها من حساباتي.
وقفت أول تاكسي قابلني وصوتي بيترج: «على منطقة كذا بسرعة يا أسطى.. أبوس إيدك دوس بنزين».المشوار كان طويل ومملوء خنقة، كأن عزرائيل قاعد جنبي في العربية. وصلت الحارة اللي ساكن فيها جوزها وحماتها، نفس الحارة اللي مارضيتش أدخلها ولا مرة من يوم ما طردها من بيته وسمعت إنها اتحامت في أمه.
أول ما حطيت رجلي في المدخل، حسيت بهوا ساقع وريحة غربة بتخنق، الحارة كانت مليانة ناس رايحة وجاية، قهاوي وبياعين، بس أول ما شافوا وشي، الحركة هديت فجأة زي ما تكون جنازة معدية. قربت من عم حسين البقال، راجل عجوز يعرفني من زمان ويعرف أصلي:— السلام عليكم يا حاج. . بالله عليك بنتي فين؟
شقتها مقفولة ليه؟ ألاقيها فين؟الراجل مبصش في عيني، كمل رص البضاعة بإيد باردة، ونفخ بقرف وهو بيدور وشه الناحية التانية، ولا كأني واقف ولا كأن ليا وجود. ماردش حتى السلام. سبته وجريت على شباب واقفين على أول الشارع كانوا صحاب جوزها:— يا شباب.. حد شاف بنتي؟ هي لسه عند حماتها؟ حد يفهمني بس هي فين!
واحد منهم بصلي من فوق لتحت بنظرة اشمئزاز خلت جسمي يقشعر، تف على الأرض جنب رجلي، وخد صحابه ومشي من غير ما ينطق حرف واحد، كأني جربان خايفين يلمسوني أو يتكلموا معايا. بقيت ألف حوالين نفسي في نص الحارة، زي كلب ضال بيدور على مأوى:— يا ناس حد يرد عليا! بنتي فين؟! أنا أبوها!الكلمة طلعت من بقي، بس كأنها كانت الشتيمة اللي فجرت غضب الكل.
الستات في البلكونات بصوا عليا وسحبوا الستاير بقرف وقفلوا الشيش في وشي بصوت رزع يهز الحيطان، والرجالة على القهوة نكسوا روسهم في الأرض وتجاهلوني، وكأنهم اتفقوا إن مفيش بني آدم واقف في وسطهم اسمه «أبوها»، كأنهم بيعاقبوني بالخرس اللي يقطع في اللحم أكتر من أي كلام. النظرات اللي حواليا كانت كلها بتقول حاجة واحدة واضحة وصريحة: أنت رخيص.
. وماتستاهلش. جريت على مدخل العمارة والسلالم بتتهز تحت رجلي اللي مش شيلاني. طلعت درجتين درجتين وأنا بلهث، لحد ما وقفت قدام باب شقتها.. نفس الباب المقفول في وشي وفي وش كل إحساس أبوي دفنته بإيدي. رفعت إيدي وفضلت أخبط بكل ما فيا من عافية. خبط متواصل، هيستيري، الخشب كان بيصرخ تحت قب.
....ضتي وصوت الرزع رن في مدخل العمارة كله:— افتحي يا بنتي! افتحوا يا ناس! أنا أبوكي جيتلك أهو، افتحي وقوليلي فيكي إيه! مفيش أي رد.. سكوت ميت بيزيد من رعشة قلبي. فضلت أخبط بالاتنين وأض. رب على الباب بكتفي وأنا بصر....زخ:— ردي عليا عشان خاطر أمك الم.....يتة! متعمليش فيا كده!فجأة، الباب اللي في الوش فتح، وطلعت منه جارة ست كبيرة، وشها شاحب وعيونها كانت بتبصلي بقسوة تجمّد الدم في العروق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.